معادلة الرزق

مقال لـ: فاطمة الفقيه

بعد سنوات من العمل والتأمل في مجال وظيفتي، ثم في مشاريع صغيرة خاصة، توصلت إلى أن للرزق معادلة، وأن هذه المعادلة تشبه الزئبق؛ ثقيل الوزن، سهل الرؤية، لامع، وجميل، لكن الإمساك به ليس بالأمر الهين، لذا هي من أكثر المعادلات قسوة؛ فالناس قد يقتلون أنفسهم، أو أغلى ما لديهم، خشية الفقر، فالجوع كافر، والعوز مذل.

لكن ما يجعلني أجزم بأنها معادلة، أن موارد الأرض لا تنضب، وأن الله تعالى يقول: ﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾. وحتى تجارب الإنسان اليومية تقول الشيء نفسه: “محدش بيموت من الجوع” ومع ذلك، هناك بالفعل أناس يموتون من الجوع، وهناك من يعمل ليلًا ونهارًا ليحصل بالكاد على قوت يومه، وهناك يتدفق رزقه من كل مكان، فلو أنه ضرب الأرض بقدمه لأخرجت له ذهبًا.

إذن، ما معادلة الرزق التي إذا أدركناها ربما ه زاد احتمال النجاة من العوز؟ أتصور أني وضعت يدي على ثلاثة من أطراف هذه المعادلة، التي لا تخضع لمنطق الإنسان؛ وهذه الأطراف تغير نظرتنا للحياة ولأنفسنا فلا نصعد كثيرا في شعورنا بالفخر، ولا نهبط هبوطا حاداً عندما نتعثر في سعينا، فنرفق بأنفسنا بدل أن نحملها فوق طاقتها.

الطرف الأول، الرزق ليس نتيجة الجهد. فالجهد ليس بالضرورة يجلب الرزق. وعبارة من “من جد وجد” غير صحيحة على إطلاقها.

في حديث مع طبيبة تجميل ناجحة، يتجاوز دخلها السنوي الملايين، سُئلت عن سر نجاحها، تحدثت عن إتقانها لعملها، وجهد سنوات الدراسة، وسهر الليالي، والمثابرة حتى وصلت إلى ما هي عليه اليوم، لكن الحقيقة ليس جهدها وحده، ولا ذكاؤها، ولا مثابرتها، ولا قدرتها على كسب ثقة المرضى، هي السبب الرئيس في سعة رزقها، فهناك أقدار خفية حاضرة من بداية الرحلة حتى الوصول للقمة.

فهي مثلا لم تولد مشردة، ولم تكبر في منزل شديد الفقر بالكاد يؤمن ثمن الوجبة. بل لديها سكن، وطعام، ومواصلات، وأمان، ووقت يمكن تخصيصه للتعلم. لم يقض الفقر مضجعها فتتغير الأولويات من نيل الشهادة إلى قوت اليوم، ورزقها أيضًا شمل قدراتها الذهنية والجسدية السليمة التي مكنتها من دراسة تخصص معقد، فهي ليست من ذوي الهمم الذين لا يمكنهم دخول هذا المجال، حتى المثابرة ليست جهدًا خالصًا؛ فالعزيمة والاستمرارية لهما علاقة بأقدار دقيقة لا نراها بالعين المجردة: الجينات، والبيئة، والتنشئة، والفرص، وكمية صغيرة من الإرادة الذاتية التي لم تفسدها أقدار قاسية كثيرة.

وهناك قدر آخر لم يكن جهدها مجدي لو أنه لم يحدث، وهو أنها وُلدت في بلد مستقر سياسيًا واقتصاديًا، لا يعيش حربًا، ولا تفرقة عنصرية تقصيها من المشهد، بل ولدت في بلد وفر لها تعليمًا كريمًا، وبعثات إلى جامعات عالمية تكلف مئات الآلاف من الدولارات، وهي فرص لم يكن جهدها وحده يستطيع توفيرها. حتى بعد التخرج، عملت في سوق قوي، وفي بلد يملك فيه العملاء القدرة على دفع مبالغ كبيرة في عمليات التجميل! 

وحتى كونها امرأة كان ممكن أن يكون عائقًا؛ لكنها وُلدت في مجتمع أتاح لها التعليم العالي، والسفر، وبناء مشروع خاص. بينما توجد امرأة أخرى في مثل ذكائها وطموحها، لكنها في قرية لا توجد فيها جامعة، أو في مجتمع يزوج الفتيات صغيرات لأي خاطب يطرح طموحهن أرضًا. 

هناك أقدار لا حصر لها، وأكثر خفاءً تلعب دورا أكبر بكثير من قدرات هذه الطبيبة، ولم تصادفها، لكنها جاءت من نصيب أمرأه أخرى، كأن تتزوج شابة عادية من أسرة بسيطة، من ملك فتصبح ملكة، لا يوجد أي جهد مهما بلغ حجمه سيضمن حدوث مثل هذا الامر.

كل هذه الأمور تقود إلى استنتاج واحد: تواضع أمام ألطاف الله الجلية.

الطرف الثاني من المعادلة ظهر لي بعد سنين في الوظيفة، وبعد أن بدأت مشروعًا صغيرا، في بداية مشروعي عزوت العوائق إلى أسباب كثيرة: صعوبة التعامل مع الشريك، نقص السيولة، جهلي بالأنظمة، لكنني تذكرت أن ما قد يأخذ بيدي لتحقيق هدفي هو خفايا القدر، فإن الصعوبات أيضًا من خفايا القدر، وأن العوائق، مثل الهِبات، هي من الله ولا قدرة لي عليها. 

ومن هنا تغير موقفي الداخلي. لم يعد الحل أن ألوم نفسي، أو أنقم على شريكي، أو أفتش عن سبب أرضي أحملّه كل الفشل، صار دوري أن أفعل ما بوسعي، ثم أتوجه إلى الله مباشرة؛ لأنه هو من قدرها، وأطلب منه أن يزيلها أو يلهمني الحلول.

بعد أن أدركت أن الله وراء كل شيء، صرت أتلقى الصدمات برضا أكبر، وصرت أتعامل مع التعثر لا بوصفه دليلًا على الفشل أو الخذلان، بل بوصفه جزءًا من قدر لا أفهمه كاملًا.

النتيجة هي أنه لا يد لنا حقيقية في النجاح أو الفشل، هذا لا يعني أن نتواكل، لكن أن نفهم أن الجهد يشبه تذكرة السفر، بالرغم من أنك لن تستطيع أن تصعد الطائرة بدونها، لكنها مجرد إذن بصعود الطائرة فقط، فهي لا تضمن لك الهبوط سالما، ولن تدخلك البلد لو أن أوراق الدخول غير مكتملة، ولن تضمن لك متعة الرحلة، ولا حتى العودة سالما، فكل هذه الأمور لها أقدار خفية لا علاقة لها بالتذكرة.

الطرف الثالث، إن وصل إليك الرزق فليس بسببك وحدك، فقدم مثلما قُدم لك، فأنت قدر لشخص أن يصل إليه رزقه.

الخلاصة أن ما وصلت إليه فضل عليك، لا فضل منك، وما فاتك قدر من الله لا تقصير منك. 

فإذا نجحت، أخفض صوتك وتواضع، وإذا تعثرت، فارفق بنفسك.

شارك
طاهر الزهراني
طاهر الزهراني

طاهر الزهراني، كاتب وروائي.

المقالات: 171

اترك ردّاً