*بقلم: حامد بن عقيل
شخصية المرء هي قدره، كما يقول هيراقليطس. ويقول محمد الدميني: قريباً من الغيمة سأصنع ملكوتي. وأقول أنا: يمشي الشعراء الكبار بطمأنينة، بينما يتأرجح من لا يمتلك الموهبة بين واقعه الفقير وبين أحلامه الجائرة.
في بهو مركز الملك فهد الثقافي بالرياض كنتُ قد جلست توا إلى منصة مزدحمة للتوقيع على إصدار لا علاقة له بالشعر، فديواني “الوحدة حريّة حزينة” المرشح ضمن القائمة القصيرة لجائزة جمعية الأدب المهنية 2026م، لا نسخ منه لدي، وطُلب منّي أن أشارك توقيعه مع الشعراء والروائيين والنقاد، ممن وصلت كتبهم إلى القائمة القصيرة!.
حين انتهت جولة الشاعر الجميل “إبراهيم الحسين” لتوقيع ديوانه “يخطئ الموتى”، جلستُ مكانه، وبدأتُ أوقع رواية “منازل الموت” بدلا من الديوان الذي لم يكن معي نسخ منه. كانت قد أصبحت نسخي التي أرسلها الناشر أثراً بعد عين، ثم حين حصلت على نسخ إضافية من معرض جدة الأخير، ذابت كما يذوب الشعر في القلوب البيضاء، واصطفيتُ لنفسي نسخة وحيدة لا أدري من “استعارها” إلى غير رجعة ودون إذن منّي. لهذا لا بأس من توقيع نسخ من روايتي الأخيرة.
بعد توقيع نسختين أو ثلاث سمعت صوت من يطلب توقيع نسخة باسمه، فكتبت: إلى..، ثم سألته: إلى من؟ قال: محمد الدميني!. توقفتُ وتركت القلم، وقمتُ للسلام عليه ومعانقته. لم يسبق لي أن التقيتُ بمحمد الدميني وجهاً لوجه، ولكنني نشأتُ على صوته الشعري الخاص، مع صوت محمد عبيد الحربي، لا أعرف في السعودية غير هذين الصوتين الباذخين في قصيدة النثر في ذلك العقد الذي طغت عليه أمواج التفعيلة وأرهقه ضجيج المنابر. كنتُ قد التقيتُ بأبي عادل علي الدميني، رحمه الله، أكثر من مرة، لكن لقاء محمد في دورة الجائزة الأولى للجمعية كان الأول، وجاء بهذه الطريقة التي تدل على أن محمدا صنع ملكوته الخاص قريبا من الغيمة.
مرّ بي شعراء يظنون أن الشمس لا تشرق إلا من أجل قصائدهم، وشواعر يعتقدن أن الحياة تتوقف على سماع أصواتهن وهن ينشدن، ومن رسخت في عقله فكرة إنقاذ العالم، ومن جعلت هدفها هداية البشرية إلى ما تعتقده من صواب. مرّ بي من يظن أنه لم ينل حظه من التكريم والتعظيم والاحتفاء، ومن رأت أنها تستحق أكثر مما نالت، وأن على العالم أن يعترف بفضلها عليه. مرت بي نماذج لم تكتب أكثر من خربشات، وليس لديها من الرؤية الخاصة إلى الحياة إلا الترهات. لكن أحدا منهم/ منهن لم يصنع ملكوته قرب غيمة، إلا القليل من الكبار المبدعين.
أعادني موقف الشاعر الجميل محمد الدميني إلى موقف مر بي في نادي جدة الأدبي تقريبا في عام 1997م، حضرتُ أمسية، ثم كان من عادة الأندية أن تضع العشاء لضيوفها ولحضور فعالياتها، فجلست للعشاء مع الشاعر عبدالله باهيثم، رحمه الله، والذي لم ألتقي به من قبل، وكان معنا القاص الجميل عثمان سعيد الغامدي، حين جلسنا قال أبو سعيد عثمان الغامدي: هذا يا أستاذ عبدالله “حامد بن عقيل”. فهتف باهيثم: من لا يعرفه فهو عاق. كنتُ أظنها مجاملة وتشجيعا، لكنه بعد قليل ذكر لي نصا نشرته صحيفة عكاظ في عددها الأسبوعي، ويناقشني في تفاصيله. كانت شهادة أعتز بها وأقصها على الأصدقاء دائما، كما كانت تلك الليلة درسا تعلمت منه أن أقرأ في الجرائد حتى صفحات القراء، والآن المدونات وأتابع مواقع التواصل والمجلات الإلكترونية. صحيح أنني لا أستطيع إبداء رأيي في كل ما أقرأ، لكنني أتابع قدر استطاعتي، فليس هناك صوت يستحق التجاهل أو أن يُهمل، وإهمال البعض خسارة فادحة لنا.
ها قد علمني الشاعر الكبير محمد الدميني الدرس مرة أخرى، فقدر المبدع الحقيقي أن يصنع ملكوته قرب غيمة، لكنه يمشي بين الناس بتواضع، يجعل من يتقاطع معه مدركاً أن الكتابة والإبداع لا تعني الهتاف بالقضايا الكبرى التي تزول بلا أثر، بل تعني الهوس بصناعة المعنى الذي يتمدد لحيوات عديدة، نعم، فالمعنى كل المعنى يكمن في إدراك حقيقة وجودنا على الأرض، وأن الغياب حتمي كأثر قدم على رمال الشاطئ التي تعي القدم تماما أن الموجة القادمة ستغمرها، لكنها تمشيها على أية حال وتفكر في ترك أثرها.
ها قد مر بي الشاعر محمد الدميني طالبا توقيع كتاب، بلا مقدمات، وبلا وجل، وبلا حسابات نجم شبّاك التذاكر في الثمانينيات الميلادية، وبلا عُقد الريادة، فضلا عن الإبداع الحقيقي المشهود له به. ها قد مر بي الدميني الذي أعلم يقينا أنه أستاذ أساتذتي، حتى، في كتابة قصيدة النثر، وأنني ممن تتلمذ على رؤيته العميقة وكتابته المختلفة وجهوده الصحفية من “المربد” وحتى “القافلة” .. ومحبته التي دعمت كثيرين حين كان يجيز ويمنع، ويوجّه ويدعم، في زمن لم تكن المعرفة فيه سهلة، ولا وسائل التواصل متاحة كما هي اليوم.
