*علي الشدوي
حين نشر كارل ماركس الجزء الأول من كتابه (رأس المال) عام 1867 حرص على إهداء نسخ منه إلى أصدقائه ومعارفه من المهتمين بالفكر والسياسة. ومن بين هؤلاء الصحفي والناشط البريطاني بيتر فوكس، أحد المتعاطفين مع الحركة العمالية التي كان ماركس من أبرز منظريها. لكن فوكس لم يستقبل الهدية بالطريقة التقليدية. فقد كتب إلى ماركس معلقا على الكتاب بعبارة أصبحت شهيرة فيما بعد، إذ قال إنه يشعر كما لو كان رجلا أُهدي إليه فيل ليربيه.
بطبيعة الحال لم يكن المقصود السخرية من ماركس أو الانتقاص من قيمة كتابه؛ بل على العكس تماما. ففوكس يدرك أنه أمام عمل فكري استثنائي، لكنه في الوقت ذاته كان ضخما، معقدا، ومليئا بالتفاصيل الاقتصادية والفلسفية التي تتطلب صبرا وجهدًا كبيرين. تكمن طرافة هذا التشبيه في دقته؛ فالفيل هدية ثمينة ومثيرة للإعجاب، لكن امتلاكه يعني مسؤولية ثقيلة، ويحتاج إلى مساحة ووقت وعناية خاصة. وهكذا فرأس المال بالنسبة إلى كثير من قرائه: كتاب مهم، لكن الاقتراب منه يشبه الشروع في مشروع طويل الأمد أكثر من كونه قراءة عابرة. لم يكن الفيل في هذه العبارة حيوانا ضخما، بل كتابا. ولم يكن التحدي إطعامه أو رعايته، بل قراءة صفحاته الكثيفة ومحاولة فهم عالم كامل من الأفكار يختبئ بينها.
يتجاوز جمال عبارة بيتر فوكس كتاب رأس المال. فالكتب الكبرى ليست مما يُقرأ على عجل ثم يعاد إلى الرفف. هذا النوع من الكتب كائنات ضخمة تدخل حياتنا وتعيد ترتيبها. تشبه الفيلة فعلا؛ لا يمكن اقتناؤها من باب التسلية، ولا يمكن تجاهل وجودها بعد أن تصبح جزءا من عالمنا. الكتب العظيمة لا تستهلك، بل تربى. يحتاج قارئها إلى صبر ومثابرة، وإلى استعداد لأن يكبر معها ببطء. يعود إليها مرة بعد أخرى، يكتشف في كل قراءة ما غاب عنه في السابقة، ويجد نفسه وقد تغير بينما بقي الكتاب قادرا على مفاجأته من جديد.
لا يقرأ الكتاب العظيم بتقليب صفحاته من الأولى إلى الأخيرة، بل يقرأ عبر علاقة طويلة الأمد. وكما يحتاج الفيل إلى من يتعلم طباعه ويعتاد حضوره، تحتاج الأعمال الفكرية الكبرى إلى قارئ يمنحها الوقت الكافي لتكشف عن نفسها. لذلك، ربما كان فوكس أكثر حكمة مما ظن هو ؛ فالمسألة ليست أن رأس المال وحده يشبه فيلا، بل إن كل كتاب عظيم يفرض على قارئه مسؤولية من نوع خاص: مسؤولية التربية المتبادلة، حيث يربي القارئ الكتاب في ذاكرته، بينما يربي الكتاب قارئه في الفكر والوجدان.
