حزن المحال

يحزنني أن يغلق محل في مكان ما.

أتأمل المحل كثيرا، ماذا بقي منه، وماذا ترك صاحبه من خلفه. في جدة لم تستوعب المحال الصغيرة التضخم، ودخل الناس الذي لا يقارن بدخل إنسان يعيش في مدينة كالرياض مثلا.

تغلق المقاهي الصغيرة التي بنتها الآمال الكبيرة، ويحل محلها مقاهي كبيرة جشعة، هناك أمر إنساني لم ندركه بعد في مسألة التحضر، لكن تجده في مدن وبلدان أخرى، وهو الاستدامة وتأثيث ذاكرة المدن، قبل سنوات استرحت في مقهى صغير بجوار اللوفر، يبيع القهوة والايسكريم عمره أكثر من قرن، وكان أحفاد مؤسس المقهى هم من يقف في المحل.

لا أدري لماذا لدينا هذه الرغبة في المحو، قبل أيام كنت في حرم جامعة الملك عبدالعزيز، وبعثت للأصدقاء صورا للجامعة، وأخبرتهم أن أكثر الأماكن التصاقا بالناس في جدة بعد التاريخية هي الجامعة، غير ذلك تلقب نظرك في المدينة فيرتد حسيرا، هناك أشياء لا تذكر، بقايا من قصر خزام، وبرج المياه، ولا أدري الحديقة الصحراوية شرق الخط السريع لا زالت هناك أم لا.

في فيلم “لديك بريد” يتم تهديد مكتبة أطفال صغيرة وصاحبتها من قبل شركة كبرى، تحاول صاحبة المكتبة أن تقاوم وتواجه إلا أن الشيء الصغير والجميل، والذائقة الفريدة لا تصمد أمام شبح الرأسمالية المتوحش.

علينا أن نفكر كثيرا في المدن التي نسكنها، هل لها أن تشبهنا أم تكون مضمارا للشركات الكبرى، ومن يدفع أكثر ليطمس وجه المدينة!

وإذا اتفقنا أن هناك تشوه بصري، علينا أن نتفق أيضا أن هناك تشوه عصري.

ماذا أيضا…

أقرأ بعض أعداد مجلة اليمامة، جلبها لي الصديق صادق الشعلان. وفي ظني أنه من المنبغي أن تعود المجلات الورقية مرة أخرى، أنا بحاجة للخروج من البيت والذهاب للسوبر ماركت وشراء مجلتي الأسبوعية، أو أجدها في صندوق البريد المعلق في مدخل بيتي، ربما يضحك البعض من هذا لكن لك أن تتصور أن بعض الدول الأوربية كالسويد الدنمارك عادت لطباعة المناهج الدراسية الورقية، في محاولة لإعادة التوازن بعد فقدان السيطرة بسبب بريق العوالم الرقمية.

انتهيت من الموسم الثامن من رحلة الرّاحلة الهولندية نور علي، بداية الرحلة كانت من إسطنبول ثم دخلت عبر الجسر الذي يمتد فوق البسفور على الجانب الآسيوي، ومن هناك زارت كردستان ثم دخلت على العراق، كان وضع العراق مأساويا، بلد دمرته الحرب ونهبه المحتل، حرنت كثيرا على العراق، من الكويت دخلت السعودية، بلادنا عظيمة وفيها تنوع جغرافي مهول، والناس تقودهم الشيم لفعل الخير، في اليمن لفتني جمال المعمار، وصدمت من سقطرى، جزيرة ساحرة وفيها ثروة نباتية هائلة، وشواطئ بكر في غاية الجمال، لهذا الجزيرة محل أطماع بعض الدول الواهمة، ثم دخلت إيران، وباكستان لم أندهش كثيرا من كرم الباكستانيين، ثم كانت المفاجأة أفغانستان لقد تعاملوا معها في منتهى اللطف، بل جعلوا لها فرقة حماية في بعض المدن من أجل سلامتها، رحلتها لأفغانستان حازت على آلاف التعليقات التي ذكرت أن تصوراتهم عن أفغانستان بخلاف ما صوره الإعلام الغربي لهم، أفغانستان بلد جميل لولا الاضطرابات السياسية هناك، في الصين أعجبتني ثقافة كشغر، انتهى بها المطاف في منغوليا حيث توقفت هناك، في الفيديو الأخير لها أخبرتنا أنها تستجم في بالي وتراجع مسودة كتابها الثاني الذي سوف يصدر خلال الشهور القادمة، لن أتحدث عنها مرة أخرى، لكن اذهبوا وتابعوا قناتها على اليوتيوب: حكة الأحذية.

شارك
طاهر الزهراني
طاهر الزهراني

طاهر الزهراني، كاتب وروائي.

المقالات: 157