طاولة خشب

تابعنا الأيام الماضية التراشق والدقات في الخطابات بين ترامب والملك تشارلز، لن أتحدث هنا عن الخطابات ولا السياسة التي لم تعد بذلك الوهج بعد أن سلط الله على العالم ترامب، الشيء الذي جاء في بالي عند مشاهدة الملك تشارلز وقبل ذلك أمه الملكة إليزابيث هو فلسفتهم تجاه الأشياء التي يملكونها، فالملكة تحافظ على سيارتها القديمة وخاصة الرنجات القديمة، والتي يعود بعضها للخمسينات، ولا زالت تعمل!

الملك ظهر قبل سنوات على غلاف مجلة وهو يرتدي سترة مرقعة، وذكر في الحوار أنه يرتق معاطفه، ويصلح أحذيته!

وأن الأشياء لديهم تزداد قيمتها من قدمها، المعطف القديم المرقع عندهم أفضل من أغلى معطف يعرض اليوم على واجهة المحال الكبرى، الأشياء تكسب قيمتها مع الزمن، بخلاف ما تروج له الرأسمالية، وهوسها الدائم بالاستهلاك، وحمى الدعاية التي لا تتوقف عن بثها، والتي يتأثر بها الطبقة الوسطى.

في الثقافة اليابانية الفنجان المكسور لا يتخلص منه بل تعالج كسوره بالذهب، وهو ما يسمى بـ  كينتسوغي، الأشياء عندهم تكتسب قيمتها من العيوب، وهي فلسفة لها دلالتها.

ما الذي جعل للمدن الكبرى العريقة مكانتها، لماذا الصدوع في الأشياء الصامدة تجعلنا نتوقف أمامها، وفي المقابل لماذا ترتد أبصارنا عند رؤية المدن التي تلمع كثيرا، هذه الأبراج الحديدية التي ترتفع كخوابير عصرية في المدى ونحن في زحمة الطرقات، لذا تحترم قرارات بعض المدن التي وقفت بقوة أمام البريق الزائق، ومنعت الأبراج، والمولات، وحافظت على المعمار من التشوه العصري.

 مدننا تمتد حتى لم نعد نعرفها، والشعبي يتقلص ويتقلص معه التواصل الإنساني، إن الحضارة ليست في مدن تلمع ووجوه يعلوها التجهم، بل في مقدار التواصل الإنساني التي يربط الناس ببعضها، تأمل علاقات الناس في الأحياء البسيطة الشعبية، وعلاقاتهم في الشقق المسلحة، تأمل كثيرا، لقد مسخت الشقق البشر حتى أصبحوا كائنات متوحشة، لا يبعثون السلام، ولا يرسلون الطعام.

لا أدري كيف وصلت إلى هنا، لكن من الضروري أخذ موقف من كل هذه الحداثة السائلة، أخذ موقف من الاستهلاك والدعاية التي لا تنتهي، خذ أنت موقفا في الأشياء التي تملكها أن تبقى وتعالجها، ولا تدخل في سراب الاستهلاك الذي لا ينتهي.

قبل أسابيع قررت أن أتوقف عن شراء طاولة إيكيا الخاصة بالتلفزيون، الطاولة الرخيصة سهلة التركيب، وسهلة العطب، والتي نغيرها كل ثلاث سنوات، لقد توجهت إلى نجار في الحي وطلبت منه صنع طاولة من خشب السنديان كي أتركها لأحفادي من بعدي، وقام بصنعها في ثلاثة أيام، وكانت النتيجة مبهرة.

شارك
طاهر الزهراني
طاهر الزهراني

طاهر الزهراني، كاتب وروائي.

المقالات: 156