تقنيات جديدة لتطوير فن المشي

عندما نتحدث عن القصة القصيرة في مصر سنتوقف عند أساطين من كتابها الكبار، بداية من يوسف إدريس إلى يحيى حقي ويحيى الطاهر عبدالله، وإبراهيم أصلان، ومحمد المخزنجي، والقائمة تطول، من الكتّاب الذين تركوا أثرا في هذا الفن العريق، وتأثر بهم الكثير.

العام الماضي قرأت مجموعة قصصية بعنوان: “مصفاة هائلة تحملها الملائكة” لمريم العجمي، إضافة لأعمالها الأخرى، وقد استوقفتني تجربتها الروائية والقصصية، لكن مريم كانت تملك أدوات القص بشكل لافت وناضج، هذا العام صدرت المجموعة القصصية الثانية لمريم العجمي: “تقنيات جديدة لتطوير فن المشي” العنوان واثق وواعد، وهناك لمعة في آخر العنوان تؤكد ذلك، وبعد ترك الركن المخصص للبكاء هناك ضربة على الصدر قبل دفع بوابة الفن العصي.!

المجموعة مكونة من تسعة عشر نصا تؤطره ثيمة واحدة، ومكان واحد، ورؤية واحدة، الكاتبة استعدت قبل أن تبعث الحبال حول بنية المجموعة لتشدها وتحكم قبضتها عليها، والمضمون يتطرق للهم الحديث، والشغل الشاغل، والمعيار الأهم والأقسى تجاه الجسد، الذي يريد أن ينفلت على الدوام!

لن أتطرق هنا إلى أشياء مللنا الحديث عنها، كالبنية، والتكثيف، والدلالة، واللغة الذكية والصور النصية، كل هذه أشياء قد تجد من يكتب عنها، لكن القبض على الهم اليومي، وتشريحه على شكل نصوص وصور ومواقف، والتركيز على التفاصيل المذهلة في الهم الذي قد لا يراه البعض سوى رضوخا لقيم الجمال الحديثة التي تفرضها القوى الرأسمالية، لمحاولة وضع منظومة متصلة لا تنتهي من أجل تحريك تروس الآلة الضخمة، من أجل أن تكون نحيلا!

في النصوص تأمل في الشحوم، والأرداف، والعرق، ، والكثير من الألم الحسي والمعنوي، ودفع الأسئلة في كل نص، ما الدوافع وراء ذلك، ليس الصحة فقط بل أيضا الأمل في الحصول على رضا، وقبول، وسند، فما الذي يدفع إسراء للقدوم للنادي وهي التي ليست بحاجة له، وما الذي يدفع بعزة أو الكابتن عزة في قضاء كل أوقاتها هناك، وما السبب الحقيقي لجبروت أم رقية لدفع ابنتها للتمرين، كل ذلك ترصده عين محترفة وبارعة، مع إدخال تقنيات جديدة مضمرة في النص أو ظاهرة على شكل لازمة من أجواء المكان، والحركة لها وظيفة في النص، والرائحة أيضا، والمشي له أشكاله، كما أن العرق له روائحه وأنواعه.

وهذا ليس مجرد استعراض للإبهار، أو لفت للانتباه، وإنما يصاحب ذلك جلب حالة فنية وإنسانية من أجل النبض في النص، وجعله حيا، وحاضرا في البال، يبقى في الذاكرة وتتعاطف معه، ويحضر في أوقات الغفلة مع الأيام. 

طبعا يصحب هذا بساطة اللغة، وسلاسة الجمل، ووضوح المشهد، مع حضور الصورة النصية المؤثرة، والتقنيات الجديدة التي وعدت بها طبعا.

هذه عناصر قد يجدها البعض سهلة التحضير، لكن الحقيقة أن هناك معالجة صعبة الحصول، وذلك لأن القصة فن صعب، لا يستوعب الهفوات والعيوب، بخلاف الرواية ذلك الرداء الفضفاض، الذي يتدثر به البعض.

الكاتبة لم تجر القارئ للصراخ، والبكائيات، وحدة الخطاب، ولوثة الأفكار، وإنما اكتفت بمهارة الفنان واستحضار الحالة الإنسانية الناصعة.

هذه المجموعة من المجموعات القصصية القليلة التي تهدى من أجل إعطاء تصور عن كيفية كتابة القصة الحديثة، مجموعة تعطينا الأمل أن القصة العربية لا زالت بخير رغم رحيل الكبار.

شارك
طاهر الزهراني
طاهر الزهراني

طاهر الزهراني، كاتب وروائي.

المقالات: 142