*بقلم: فاطمة الفقيه
منذ شهور تحوّلت هوايتي من مجرد شراء المبلاس إلى الغوص في تفاصيل عالم الأقمشة، وأن أخيط ثيابي بنفسي. ومن هنا اقتربتُ من شواطئ عالم أنثوي وجدته أكثر تعقيدًا مما يحتمله دماغي البسيط.
في هذه التجربة تعرّفتُ على مئات الخامات من القماش الحرير، الجكار، القطن، الجرسيه، التفته، الصناعي، المخلّط، برسومات ليزر، وتطريزات بارزة، وألوان متداخلة، وبأسعار باهظة، عدا الألوان نفس الخامات والتي لا يمكن التمييز بينها إلا بجهاز قياس طول موجات الضوء أو بدماغ امرأة. وهذه ليست المواصفات الوحيدة لتصنيف الخامات، بل هناك تصنيف آخر من اختراع النساء، يقول إن لكل مناسبة نوع من القماش، سهرة، زيارة منزلية، لقاء مقهى…
هل هذا التعقيد كافٍ؟ كلا. فهناك أنثى مختلفة لا يلائمها شيء مما هو موجود، ولمثلها هناك أقسام للمزيد من التعقيد: الدانتيل، القيطان، الفصوص، والشرائط؛ تنويعات لا قيمة لها في الكون، إلا داخل عقولنا نحن النساء. وبعد الانتهاء من ضوضاء الألوان والزخارف، ننتقل إلى عالم لا نهائي من التفاصيل يُسمّى التصميم والخياطة. اختيار الموديل وتنفيذه يعني في المتوسط ثلاث زيارات للمشغل، تتخللها حوارات طويلة قد تنتهي بالصراخ والانفعال، ومبالغ طائلة تُدفع بلا ضمان للرضا.
تجربة الملابس النسائية، المليئة بالتفاصيل، مقارنة ببساطة عالم الرجال، ليست سوى قطرة في محيط تعقيد كل جوانب حياتنا نحن النساء. فالمرأة في المتوسط تملك ثلاثة منتجات لغسل الشعر، وأخرى للوجه، فضلًا عن منتجات الجسم، والمرطبات، والحماية من الشمس، والتقشير، وتحفيز الكولاجين. بل إن الوجه نفسه مقسّم إلى مناطق: منتج للعين، وآخر للشفاه، وثالث للرقبة، ورابع للوجه بينما يغسل الرجل وجهه وشعره ولحيته بالصابون نفسه الذي يغسل به الدهون العالقة في أصابعه بعد وجبة كبسة، منتج واحد يؤدي كل المهام، وغالبًا ما يكون صابون “أبو ولد” أو “لوكس”.
وحتى في التعاطي مع تغيّرات الزمن الإجبارية، تقاومها النساء بمزيد من الجهد، بينما يطوّعها الرجال لصالحهم. أغلب الرجال سيفقدون شعرهم في نهاية الثلاثينات؛ الحل بسيط: نجعل الصلعة موضة ونروّج لها. ومع فقدان نضارة الشباب، نجد أن الرجال وأغلبهم لن يصبحوا اثرياء، يتصالحون مع الكرش واللحية البيضاء؛ لا صبغات، ولا شفط دهون، ولا حميات قاسية، ولا رفع أثقال، ربما المشي، إن مارسوه. لكن من يملك القدرة المادية منهم، لا يضغط على نفسه وجسده لمحاربة الزمن، بل يتخلى ببساطة عن لقب “فارس الأحلام”، بكل ما يحمله من معاني القوة والفروسية والشباب، ويخترع مسمى “شوجر دادي” ويتعايش مع لقب الأب الذي يقطر سكرا بسلام. في المقابل، نحن النساء، غالبًا ما يكون خيارنا الدخول في جحيم عمليات التجميل ومنتجات العناية، ودفع مبالغ طائلة قد لا تتناسب مع قدراتنا المادية، في حرب خاسرة مع الزمن.
وسلوكياتنا نحن النساء لها تفسير من وجهة نظر علم نفس التطور وسيكولوجية المجتمع، فنحن كائنات معقّدة بيولوجيًا، بهرمونات ملتوية، وأدمغة مرهقة مزوّدة بمجسّات تلتقط موجات تحت عتبة الوعي، ومهام مهولة كالحمل والإنجاب والتربية، وصراعات ثقافية، يبقى سؤال الوعي الذي يجب أن يتخطى كل شيء:
نحن النساء؛ لماذا لا نبسّط تجربتنا في رحلة الحياة، بدل إضافة أثقال فوق أثقالنا؟!
