في العام الماضي وأنا في مطار جزيرة بالما أركض من أجل شحن حقيبتي للذهاب إلى برشلونة قبل أن تفوتنا الرحلة، كنت أفكر لماذا كل هذا الشقاء، لماذا في كل رحلة أسحب حقيبة كبيرة، ومعلقا حقيبة اللاب توب في جنبي، لو اكتفيت بحقيبة ظهر لأرحت نفسي من هذا العناء والكرب الذي يجعلني أكره السفر. لماذا لا أستمتع بحمل اليسير من المتاع، وأوفر الوقت في المطارات لقراءة كتاب، أو متأملا في خلق الله، لكنها لوثة الحرص، والهوس بحمل الأشياء التي “ربما أحتاجها”.
قبل أسبوعين التقيت بحسن الذي يهوى السفر والسير في أرض الله بحقيبة ظهر، فقررنا فجأة ونحن نشرب فنجان قهوة أن نسافر بعد ثلاثة أيام، وأنا أحب هذه القرارات السريعة التي لا يفسدها الانتظار الطويل، فقمنا بشراء التذاكر ونحن بعد لم نكمل فنجان القهوة.
اتفقنا على وجهتنا، ثم أخبرني أن طريقته في السفر مختلفة عن طريقتي، فأخبرته أنني أرغب في تجربة التخفف وسوف أكتفي بحقيبة ظهر، وربما اللاب توب، فأخبرني أنه من الأفضل ترك حتى هذا الجهاز في البيت، إذا أردت أن تكتمل التجربة، وتركته فعلا.
التقينا في المطار صباحا، وعبرنا بوابة الجوازات ثم أقلعنا، تحدثنا كثيرا في الطائرة لدرجة أن الركاب خلفنا انزعجوا من كلامنا فقررنا أن نخرج كتبنا حتى لا نزعج الخلق رغم أننا لا زلنا في الظهيرة، وأتوقع بعض الناس لا ينام ليلة السفر حتى ينام في الطائرة وهؤلاء الناس لا أدري ما الدافع وراء هذا الفعل تحديدا، هل هو الخوف، أم الوصول إلى الوجهة في كامل النشاط، لكن السؤال ماذا لو لم يأت النوم!
بالنسبة لي لا أذهب للمطار إلا بعد نوم طويل، فأذهب وأنا في قمت نشاطي وراحتي، وفي الغالب تكون رحلاتي بداية المساء.
على كل حال توقفنا في أنقرة لساعات قليلة ثم عبر طائرة أخرى ذهبنا إلى وجهتنا، بعد مرور أربعة أيام وجدنا أننا اكتفينا من المدينة، لم يكن هناك وقت للتجهيز فحقيبتي جاهزة، بحثنا عن محطة أخرى وقطعنا تذاكرنا ثم ذهبنا إلى مدينة أخرى، في اليوم الثاني قررت العودة، بينما رفيقي قرر المكوث.
في طريقي إلى المطار كنت أنظر وأنا في التاكسي إلى حقيبتي الصغيرة التي بجواري، فقد منحتني شعورا جميلا بالخفة والحرية المضاعفة، نزلت المطار وتوجهت لمكان الخطوط التي لم تفتح بعد، ووجدت أمامي رجلا لديه ثلاث حقائب كبيرة، يجلس على حقيبتين، ويتكئ على الثالثة، سألته متى يأتي الموظف فأخبرني متضجرا أنه لا يدري، بعد ثواني استوعبت أني لست بحاجة للانتظار فبطاقة الصعود قطعتها عن طريق التطبيق، وليس لدي حقيبة لأشحنها، لقد فعلت ذلك نتيجة العادة القبيحة، فتوجهت مباشرة لسير الحقائب، دفعت حقيبتي واستلمتها من الجهة المقابلة، ثم ذهبت لموظف الجوازات الذي لم أتحدث معه، ثم إلى أقرب مكان بجوار بوابة.
عندما وصلت جدة لم أتوقف، خرجت من الطائرة، وعبر البوابة الالكترونية توجهت نحو سيارة أخي الذي ينتظرني في المواقف الشرقية في المطار، قذفت بالحقيبة في المرتبة الخلفية معلنا انتهاء تجربة الخفة في السفر.
وبعد هذا السرد السريع أقول؛ ثلاثة أشياء جعلت سفري ممتعا وخفيفا:
حقيبة الظهر، التي استعرتها من أخي إبراهيم لأجرب السفر بها لأول مرة.
قمصان الكتان التي جعلتني أحتمل حرارة المدن الساحلية.
جزمة الهوكا التي سبق وتحدثت عنها في تدوينة سابقة.
الجميل في السفر والذي يجعله متعة متجددة دائما هو تلك المساحة الرائعة للتجربة، وتعدد الخيارات، والرفقة، وتغيير أشكال السفر، هذا في حال إذا كنت مسافرا لوحدك أو مع صديق، لأن السفر مع العائلة لا يعتبر سفرا لك بل للعائلة.
في النهاية لا تحرم نفسك من السفر خفيفا، حاول أن تجرب ذلك، أن تكون خفيفا؛ أن تنتظر الريح لتحملك معها.
