في حوش مظلم في النزلة اليمانية تستيقظ مطرة قبيل الفجر تسحب الشرشف الرث الذي جعلته ساترا، تمسح بعينيها المكان لتعرف عدد المضطجعين في الحوش، توقد النار، ثم تطمئن على عجينتها التي غطتها قبل أن تنام، توقظ سعيد زوجها وتصلي، ثم تلتفت إلى العجين، وبعد أن يتهشم الحطب، وتتحسس حرارة أطراف التنور تشرع في حركة ذات إيقاع معلوم حيث تبدأ في طقوس الخبز، ثم ترتفع الأقراص الساخنة، ويغرف الإدام، ويسكب الشاي، ويتناول القوم زادهم، ثم يذهبون في أرض الله.
يتهامس القوم عن حال أبي الذي يعاني اليتم في شعاب تهامة، فتأمر أن يأتونها به، فيأتي أبي من الديرة لا تستره سوى فليجة متسخة، يأخذه سعيد الذي هو ابن عمته ويشتري له الملابس، ويدخله المدرسة ويتزوج أبي، ويسكن بالقرب من مطرة وسعيد، أحضر أنا إلى الدنيا وتستقبلني هي وقابلة اسمها سندس، وبعد سنة يرزق أبي بابنته الأولى ويسميها مطرة.
لا تكتفي بالاهتمام بأبي بل تبعث في عمي الذي في سن ابنها البكر وتربيهم معا، ويكبر البيت، ويكثر الضيوف، وتزداد أعداد أرغفة الخبز، ويزداد عدد الذين يعيشون تحت كنفها، ترعى العجائز، وتستقبل الأيتام، وترعي أطفالها، وأطفال الناس.
أتذكرها أيام الشتاء الجافة وهي تصنع الحليب بالزنجبيل لأطفال النزلة، ومن خلال باب البيت الذي لا يغلق أبدا، أشاهدها وهي تحرك الحليب في ذلك القدر الكبير، ويكتنفها بياض البخار الذي يباشر نور الوجه، وبياض الشعر، ونتقدم لنشرب الحليب، ونغمض أعيننا، لقد مكثت سنوات كثيرة بعد انتقالنا من النزلة لا أشرب الحليب لأنه لا يشبه حليب مطرة.
لم تنقطع عن الناس حال غيباهم، تأتي مع زوجها في صباحات الخميس، يقرعون الأبواب محملين بالخير الوافر، وبمجرد أن يحضرون ينجذب الجميع لهم، ويصبح البيت حيا، واليوم عيد.
لقد مكثت في آخر عمرها تودع أحبابها برضا، الزوج الطيب، والابن البكر، والنساء القريبات، والجيران، والجيل الذي نشأ على الشيم وحب الناس، والعيش بينهم.
في آخر أيام أبي علمت أن الألم لا يعترف بوظيفة الليل والنهار، وأن الليل هو مجرد وقت ثقيل يفقد فيه المتألم حظه من الراحة، كانت تأتي لتشارك السهر الأليم، ومصاحبة الوجع، زوجة ابن عمه الذي آوته يتيما، وكانت بجواره في لحظات الحزن والفرح، ها هي تشهد الرحيل، بذات الحضور الجميل، والشيمة الدائمة، والنبل النادر.
قبل عام أتت لبيتنا يحملها الأحفاد مثل أميرة عربية، فاستحال الليل إلى كرنفال، وأصبحت تستعيد الذكريات بذاكرة مذهلة، لا تفوت التفاصيل الصغيرة، ولا تتلعثم أثناء السرد، تحفظ القصص والقصائد، وتهز رأسها في نهاية كل قصة وكأنها تستشعر المشهد الذي حضر للتو.
قبل أيام خرجت من منزل ولدها لزيارة ابنتها، عندما شاهدها ابنها خارجة سألها: إلى أين أم حسن؟ ذكرت أنها ذاهبة إلى طيبة علها تموت هناك وتدفن في البقيع.
تعبت هناك، ودخلت في غيبوبة صغيرة ورحلت بهدوء وسلام مثل كل الطيبين.
في البقيع وهم يضعونها في اللحد، قدم رجل يحمل طفله الميت، وطلب أن يوضع طفله مع تلك المرأة التي لا يعرفها!
لن ترحلي وحيدة يا مطرة، ها هو طفل لا يعرفك، وبحاجة لرعايتك، يرغب في مرافقتك وأنت ذاهبة إلى الرحمة الواسعة.
