هناك دعوات الآن لرذيلة عصرية تكرس الفردانية بشكل مقيت، فمن أجل أن تكون مختلفا، ومحبوبا، وتكتسب حضورا يحمل قيمة عالية، لا تكن متاحا للناس، اجعل بعض الهالة عليك ليدرك الناس قيمة حضورك! أن تكون متاحا للجميع هو تقليل من قيمتك، ويذهب بالبريق الذي حول شخصك الفذ.
هل بالفعل إذا قررت أن “تثقل” هل سيزيد ذلك من قيمتك، ويجعلك محبوبا وموهوبا أكثر، فكر بس!
يقولون: “اعتزل ما يؤذيك” عزيزي أن لست نمرا ثلجيا، ولست سلحفاة، أنت إنسان، تأمل في مدلولات الكلمة جيدا!
هل تعلم عزيزي أن هذا الاستفراغ الغربي تؤلف فيه الكتب، وتعقد فيه الدورات، وتكتب فيه الكثير من المقالات!
هناك مبالغة في حماية الذات، بحجة أن لها نتائج مذهلة من حيث اكتساب المهارات، ورفع قيمة الإنسان، والحقيقة أن لها نتائج مذهلة من حيث تصدير الكثير من الناس الرمم!
عزيزي أنت منتم إلى ثقافة مختلفة عن ثقافة الخواجة، أنت كائن شرقي عربي مسلم، لديك منظومة ثقافية مختلفة عن الخواجة الذي يصدر لك ثقافة لا تكن متاحا حتى تكون براقا، أنت من ثقافة تعزز قيمة الإنسان المبارك، وفي جميع الثقافات الأنبياء هم أفضل البشرية “وقالوا مال لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق” وفي الأثر كانت الجارية تأخذ بيد النبي عليه السلام فما ينزع يده من يدها ويسير معها في طرقات المدينة حتى يقضي حاجتها!
والكثير الكثير من النصوص في فضل العطاء وقضاء حوائج الناس، وإجماع الأمة أن العمل المتعدي فضله أكثر من العمل القاصر ونوافل العبادة التي تخصك، تطعم الناس وتمشي في حاجتهم أفضل من صيام الدهر وقيام الليل كله!
ثم لا تعارض بين الحضور والوقت الذي ينفرد فيه الإنسان لنفسه.
لماذا قيل عن الجيل السابق جيل الطيبين، لأن بيوتهم متاحة، هناك حبل خارج من الباب ليفتحه من يشاء، لقد كانت بيوت الناس ينسدل منها شراشف من أجل الستر فقط وكانت الأبواب مشرعة.
هذا قبل أن نبتلى بثقافة الشقق النظيفة والمغلقة.
سوف أذكر شيئا، عندما أدخل المجالس أكون متحفظا، حتى أشاهد أثر الناس فيها، الفرش الذي تظهر عليه آثار الطعام، وبقع الشاهي هذا دليل أن البيت يحب الضيوف!
هناك أناس نعرفهم بيوتهم تفوح برائحة الدسم، بسبب الكرم!
الآن البيوت نظيفة ومغلقة، مهجورة ومكتئبة، أصحابها يرددون مفاهيم العزلة، ولا تكن متاحا!
أمس وصلني رابط، موقع يروج لكتاب بعنوان “علم النفس المظلم” يكرس مثل هذا الأشياء من أجل أن تكون محبوبا لا تكن متاحا!
لا تكن متاحا، بالضرورة يعني أن يكون أحدهم في حاجة لك ولا تقدم له مساعدة!
ثم تذكر ذلك الموقف الذي مر عليك وكنت في حالة مزرية ولديك أفكارا سوداء، وفاقد المعنى، ولديك رغبة في مغادرة الحياة، تذكر ذلك الشخص الذي طلبت منه مساعدة، ووجدته بالجوار، ثق تماما أنه ليس من هؤلاء الذين يرددون مثل هذه الترهات، إنه مسلح بالكثير من القيم والأخلاق النبيلة الذي جعلته يقدم يد العون لك!
أتذكر أحد الأصدقاء رحمه الله كان إذا اتصلت على جواله يرد بعد الرنة الأولى أو الثانية مباشرة، بشكل ملفت، وعندما سألته عن سرعته في الرد قال: أشعر أنك في مأزق وأنك بحاجة إليّ!
تخيل أن تفقد الشخص الذي تبث له همومك الثقيلة في الليالي ذوات العدد، لأنه قرر فجأة ألا يكون متاحا!
عزيزي المحبة والمنح التي تكتسبها ليس لها علاقة بأن تكون متاحا أو مغلقا وإنما لها علاقة بالتوفيق والرزق والقبول إن كنت مؤمنا بذلك طبعا، وإن لم تكن فتعاليم الرأسمالية والفردانية بين يديك، انفرد وكل وحدك، واعتزل الناس، ودعنا نرى مواهب الكبرى، وفتوحاتك العظمى، وفكنا منك.
