خمس ساعات

استيقظت مبكرا، الزجاج ضبابي، يبدو أن الطقس كان باردا ليلة أمس، نزلت بعد أن أخذت حماما دافئا، لبست ملابس خفيفة، وحملت الجاكيت معي، ونزلت وتناولت الإفطار، المكان به بعض نزلاء الفندق، وضعت الجاكيت على طاولة، وأخذت صحنا وضعت عليه بعض الأجبان، والبيض المخفوق، والزيتون، بالإضافة للزبدة والمربى، وضعت الطبق، ثم صنعت لنفسي كوبا من الشاي، وجلست أفطر، في الحديقة لم يجلس أحد، ربما بسبب تساقط الأوراق، فالآن فصل الخريف، والشوارع، كل الشوارع اكتست بالأوراق المتدرجة من الأصفر إلى البني، هناك بعض الهواء أيضا والذي يسهل مهمة السقوط، حتى لا تثقل الأشجار ثلوج الشتاء، أفطرت وخرجت إلى الشارع، هناك بعض البرودة، تحصنت بما لدي من ملابس، جلست على المقهى المجاور، طلبت القهوة، طبعا أنا والأصدقاء على موعد على الغداء مع زينب وواسيني، التقيت بواسيني قبل ذلك في الفجيرة عام 2018م لا أظن أنه يتذكر، فهو يعيش كل حياته في تنقل دائم بين البلدان العربية والأوروبية، على كل حال تم تحديد مطعم بجوار دار الأوبرا، علي أخبرنا أنه سوف يلتقينا في المطعم، وآمنة ذهبت بعد الإفطار للبحث عن حذاء مريح، وذهبت أنا أتجول في الشوارع، وأتأمل في الخلق، قبيل الظهر وصلت إلى دار الأوبرا التي كانت مغلقة للصيانة، استلقيت على الدرج، أنظر في المبنى العتيق، وفن العمارة المدهش، ثم غفوت لدقائق، استعدت بعض طاقتي، كانت آمنة قد حضرت، وتساءلت هل سيحضر واسيني وزينب فهما يسكنان في أطراف باريس، إنها مسافة بعيدة بالقطار، هذا لو لم يكن هناك إضرابات.

نشاهد الناس، يغنون ويرقصون في الساحة، في باريس يمضي الوقت بسرعة هائلة، لذا لم نشعر بالوقت حتى رأينا من بعيد زينب وواسيني متجاورين لأكثر من أربعة عقود، عابرين الحدود، درسا الثانوية والجامعة معا، دراسا في دمشق الماجستير والدكتوراة، ثم انتقلا إلى باريس، وعاشا كل حياتهما في فرنسا، علاقة مبهجة ومتينة، وانسجام مدهش.

بعد الأحضان والقبل والاعتذار عن التأخر البسيط بسبب المشاكل التي تعاني منها باريس بسبب إضراب عمّال المواصلات، ذهبنا بعد ذلك إلى مطعم  Entracte opera في نفس المكان، شاهدنا النادل الذي يعرف واسيني جيدا، وجلسنا على الطاولة التي في قلب المطعم، المكان كان دافئا وحميما، أتى علي بعد ذلك، ثم نزل الطعام، كل شخص بحسب طلبه إلا واسيني فالنادل هو من يختار له الطعام، والمشروب والحلى بعد ذلك، كل ذلك في تواصل فريد وحميم، طبعا السمك هو الوجبة المتفق عليه.

 المطعم يملك حقولا للعنب، ولديه نبيذ خاص به يقدمه بنوع من الفخر، الفرنسيون يفتخرون بنبيذهم، ولا تكاد تخلو مائدة فرنسية من حضور النبيذ، تحدثنا عن مي زيادة ورواية واسيني عنها، وعن عمله الذي يعمل عليه حاليًا، ثم تحدثنا عن الكتابة، والأصدقاء والصحافة، والترحال، والسوربون، والعيش في فرنسا، حديث فاتن، لا تمر حكاية دون إدخال زينب في طرفها، خاصة عندما يكون الحديث عن النساء اللاتي يختتم كلامه عنهن بقوله: لكنهن لسن أجمل من زينب، فيستثمر واسيني الحديث دائما  في صالح زينب، كل ذلك في مراوغة ذكية ولطيفة، وأيضا من أجل لف دفة الحكي لضفة أخرى، وليستمر الحديث الساحر لمدة خمس ساعات!

خمس ساعات من العذوبة والجمال والحياة المديدة، خمس ساعات لم يتبرم النادل، ولم يأت أحدهم يخبرنا أننا جلسنا طويلا، الفرنسيون يسكنون مدينتهم أكثر من منازلهم، الفرنسي لا يذهب إلى منزله إلا للنوم فقط!

خرجنا من المطعم، ودعنا زينب وواسيني، وشكرناهم على كرم الضيافة، ثم قصدنا إحدى البنايات لمشاهدة باريس من فوق، كان المشهد خلابا، عدنا بعد ذلك إلى الشانزليزيه حيث فندقنا، أكملنا السهرة هناك، تناولنا العشاء في المطعم الإيراني، حيث كانت نقاشات آخر الليل، علي نادم علي المطعم، وآمنة تذكر أن أكلهم يستحق، أنا لم أشاركهم النقاش، فضلت تناول الرز الأبيض بالزعفران، وبلع الكباب بدبس الرمان.

أكملنا السهرة أنا وعلي ننظر في بعضنا، في نوع من المكابرة أننا صامدون في وجه الليل والنوم، جلسنا بعد ذلك على الرصيف وأتى شاب مغربي ثرثر معنا، وتكلم عن حياته في أغادير. وأنه امتهن قرع الطبول في زمن ما، تجولنا قليلا في الشارع الشهير الذي لم يستهويني أبدا ثم عدت إلى غرفتي، وذهبت في نوم عميق.

مناسبة هذا الكلام هو اللقاء الأخير مع واسيني على بودكاست أثير، اللقاء الذي استمر لخمس ساعات أيضا، خمس ساعات لم يقل فيها واسيني كل شيء!

هنا رابط اللقاء!

شارك
طاهر الزهراني
طاهر الزهراني

طاهر الزهراني، كاتب وروائي.

المقالات: 201

اترك ردّاً