سبق أن قلتها مرارا، أن أغلب المشتغلين بالكتابة في الحقيقة لا تهمهم الكتابة نفسها، وإنما يهمهم ما هو خارجها، لهذا لو استعرضت من يكتب الرواية كمشروع، سوف تصدم أنهم قلة، أمام العدد المهول من كتاب الرواية.
عندما صدرت “بنات الرياض” وعملت ضجة كبرى لم يشهدها المشهد الثقافي لدينا قبل، فجأة أصبح لدينا وباء حمى كتابة الرواية، لقد كتب أناس ليس لهم علاقة بالكتابة، لأن الرواية كانت أسهل الطرق إلى الشهرة في ذلك الوقت.
حاول بعضهم كسر التابوهات حتى يكون في قلب المشهد وجبينه، لدرجة أن بعضهم لم يستوعب ما يكتبه بسبب سكرة الرغبة إلا بعد طباعة كتبهم، وعندما استيقظوا في حالة صحو ما طلبوا من دار النشر أن تتلف كتبهم مباشرة بعد الطبع، وبعضهم صرّح في الصحافة -عندما كانت هناك صحافة- أن دار النشر قامت بكتابة أشياء نيابة عنهم!
الجميع يريد أن يحقق ما حققته تلك الرواية، الشهرة، حديث الصحف، والمال ربما، لكن هذه الأشياء لا تحتاج إلى كثير من التفكير لندرك أنها أشياء خارج الكتابة.
بعد ذلك أصبح هناك تهافت على من يحقق أعلى الأرقام، وأصبح هناك هوس بذكر عدد الطبعات على أغلفة الكتب، حتى وصل ببعض الكتب أن يكتب على أغلفتها أن طبعاتها تجاوزت المئة، ويصاحب ذلك بعض حفلات التوقيع التي كانت ظاهرة جديدة علينا، ربما كانت أحلام مستغانمي وقتها هي من لفت الانتباه لهذا، فقد كانت توقع بالأيام في معرض الشارقة، انتقلت الحمى لنا، فأصبح أي مشهور له أتباع، يقوم بعمل كتاب من أجل طوابير التوقيع، لدرجة أن مرة تدخل رجال الأمن بسبب احتشاد الكثير من الفتيات على شاب في حفل توقيع كتابه، وتلك الأيام أصدر المذيع تركي الدخيل مجموعة من الكتب الفارغة -بالفعل كانت صفحات فارغة- حملت عناوين مضللة، منها كتاب “كيف يفكر القذافي” تفتح الكتاب ولا تجد سوى البياض!
في تلك الأيام أردت أن أعرف شيئا عن حفلات التوقيع في الدول المتقدمة فذهبت لليوتيوب، فجدت أن هذا يكون مع حفل تدشين الكتاب، حيث يقرأ الكاتب صفحة من كتابه الجديد، في مكتبة صغيرة، ويجاوب على بعض الأسئلة من القراء الذين لا يتجاوز عددهم ربما العشرين، ثم يوقع لهم ويذهب إلى بيته دون أن تلاحقه الحشود، هناك شيء آخر تقوم به دار النشر وهو جزء من صميم عملها، وهو الحملات التسويقية للكتاب، وهو أمر يرضخ لثقافة السوق، وتقوم به الدور بشكل احترافي، وفي الغالب مع الكتاب الكبار الذين تجد أعمالهم رواجا، أؤكد أن المشكلة لست في أن تكون للثقافة سوق، المشكلة الكبرى أن تسقط معيار السوق على الثقافة!
بالنسبة لي أهم ما في الأمر هو تلك العملية النبيلة؛ فعل الكتابة الذي يليه فعل القراءة، تلك العملية هي صميم الحالة المعرفية، حيث ينبعث الضوء، ويتم التماهي البشري لينتج عن ذلك الدهشة، فيكون هناك شعور، وحالة مشتركة، ثم لحظة وعي.
الحشود ظاهرة جديدة على الكتابة، لكن لنتأمل ما الهدف من وراء كل ذلك، صدقا الإنسان لديه هذه الرغبة في أن يظهر، يريد أن يتمتع بهذه الحالة الطاؤوسية، هل لها علاقة بلفت النظر والتكاثر كحال الطاؤوس، قد يكون ربما هذا بحاجة لمزيد من البحث وتأمل.
الإشكالية الكبرى ليست في الأشياء التي يرتكبها الأفراد، فقد لا يلامون في ذلك، ولكن الإشكالية الكبرى عندما تقوم جهة ثقافية بتبني أمور ليس لها علاقة بالفعل الثقافي، وإنما بأشياء خارجه، وربما تباركه بتكريم وجائزة، وتعزز فعل السوق، فتتبنى الأرقام، والملفت للنظر، وما يحدثه الترند، والفعل السريع، حيث تقوم تلك الجهة بتجاهل ودفن ما يستحق التكريم والتقدير، ذاك الذي أمضى كل حياته في تعزيز ما هو ثقافي، بالكتابة، والحضور، وإصدار الكتب، وتبني المواهب الواعدة، والاشتغال السنوات ذات العدد على كتاب جاد، أو مشروع ثقافي وطني نبيل، مثل ما يفعله أستاذنا الكبير محمد القشعمي حفظه الله، هذا الرجل الكبير الذي أفنى كل عمره في الفعل الثقافي المحض.
كنت أفكر أمس ليس كل ما تقوم به بعض المؤسسات الثقافية يكون في صالح الثقافة، قد تقوم بأشياء من شأنها إرباك ذلك ربما، وقد تجلب السوق ومؤشراته إلى الثقافة، ويحدث الخلط، ويستحي الوسط الثقافي إلى حراج للخردة، لا يستطيع المثقف الحقيقي أن يفعل فيه شيئا، ولا أن يمكث فيه لحظة.
من الضروري أن نعي جيدا الدور الذي من المنبغي أن تقوم به أي جهة ثقافية لدينا، وخاصة “جمعية الأدب” أن وظيفتها الأهم، هو الدعم ومساندة المثقف، وحمايته من نوائب الدهر، والقيام بالدور اللوجيستي المناط بها دون أن تتدخل في الإنتاج الثقافي فليس من مهام الجمعية “إنتاج الأدب” فضلا عن الانتفاع منه!
الثقافة هي نتيجة فعل أفراد يتراكم عبر الزمن، لا نريد أن تتدخل الجهات فتفسد ذلك ربما بحسن نية، نعم للدعم، وتوفير البيئة، وتكريم من يستحق، دون فرض شرط أو شراء ولاء، حفاظا على شخصية المثقف واستقلاله، لا نريد أن نقول في لحظة إحباط نقول: “ليتنا نعود للوراء قليلا” لأننا وجدنا أنفسنا ليس خارج الكتابة فقط، بل خارج الثقافة أيضا.
أعلم أن الموضوع معقد متشعب جدا، لكن لا بد من ملامسة سطح الماء أحيانا لقول شيء ما.
