السفر رزق

لا أريد أن أتحدث عن السفر كثيرا، يكفي ما كتبته خلال الأيام الماضية، لكن أريد أن أختم بكلام عام عن رؤيتي في السفر. بداية هناك شيء أريد قوله للناس الذين لا يسافرون إلا نادرا، أو أولئك الذين لديهم رغبة ملّحة في الترحال ولكن حالت دون ذلك الظروف، أريد أن أقول لهؤلاء أن السفر رزق، كل إنسان لديه نصيب منه، هناك عدد كبير من الناس، لا ينقصه شيء من حيث توفر الأسباب والإمكانيات لكنه لم يفكر يوما في قطع تذكرة طيران، لديه أسبابه، أبسطها أنه يرى أنه ليس بحاجة لهذا النشاط البشري، هو في غنى عنه، وهي قناعة، وحق مشروع.

الفئة التي تتمنى لكن ظروفها لا تسمح، أقول سوف تتغير الظروف ويسافرون يوما ما.

لقد سافرت لأول مرة وأنا في العشرين، لكن لم أشعر به، ولا بالسفريات الأخرى، لأن هناك شعورا مهيمنا في ذلك الوقت، لقد كنت مجرد تبع، ابتداء لم يكن خياري في وقتها، طبعا لا أعد الرحلات الثقافية سفرا، هي جزء من مهمة وقد يتخللها بعض المتعة، لكن أنت قبل الفعالية الثقافية مشغول بالتحضير، وهناك قلق يصاحبك، وبعد الفعالية ليس هناك وقت للاستمتاع.

بالنسبة لي لم أسافر إلا بعد الأربعين، أقصد كخيار ذاتي، فأنا أقرر أين أسافر ومتى، وكيف أذهب، وهل أذهب وحيدا أو مع أحد، وكيف هو شكله الذي أريد، السفر بهذه الطريقة لم يحدث إلا بعد الأربعين، وأنا سعيد بهذا التوقيت.

الكتابة عن السفر تطول، لكن من المهم عندي فيه عدم رفع التوقعات، والتعامل معه كامتداد للحياة التي هي تنوع واختلاف، سرور وضيق، بهجة ونكد، تصالح وتخاصم، السفر ليس تذكرة إلى الذهاب للجنة، التي تخلو من التعب والتعكير، لا السفر هو امتداد لهذه الحياة، سوف تحدث أشياء لك، سوف تمرض، وتنقطع بك السبل، قد يحدث لك بعض المواقف التي لا تحب، ربما تستمتع لوحدك وربما لا، ربما الرفقة تكون جيدة وربما لا، القاعدة الأهم فيه أن تخفض التوقعات، كما لا ينبغي حال الترحال أن تكون انتقائيا، عليك أن تخوض التجربة بكل ما فيها من تفاصيل ومعطيات.

لا أحب الناس الذين يفرضون شروطهم في السفر، أريد كذا ،كذا أو أنا لا أسافر إلا مع من كانت هذه موصفاته، السفر بحاجة إلى مرونة، وتغافل، واعتذارات، وتحمل، أتحدث هنا عن مصاحبة الآخرين.

سفر الإنسان لوحده، من حيث التعلم، وخوض التجارب، ومعرفة مدى حسن التصرف، مدرسة عظيمة.

في المقابل الذهاب مع الآخرين، ليس له شكل ولا حكم، وأيضا السفر مع الغرباء، والأصدقاء، كل رحلة لها رفقتها وسياقاتها، ولا شكل تستطيع أن تراهن على أنه الأفضل.

قبل سنوات سافرت مع أحدهم جمعتنا فعالية ثقافية، وأنا إذا قابلت أي شخص لم يسبق لي أن سافرت معه، أحب أن أترك انطباعا جيدا عني، فأحاول أن أسايره وأرضيه، هذا الرجل في آخر ليلة لنا قلت له: سعدت بمرافقتك، سوف نسافر معا في السنوات القادمة.

نظر لي وقال: ولماذا أسافر معك مرة أخرى!

مع هذا الشخص لم يحدث أي موقف، أو خلاف، أو جدال، كانت رحلتنا في منتهى الجمال، والرجل ربما كان صريحا أكثر مما ينبغي، لكن غلطتي كانت في حرصي الشديد من أجل مراعاة كل تصرفاتي من أجل أن أكون رفيقا جيدا.

لا أحب دمج أشكال السفر، فسفر العمل ليس للترفية، والرحلة الثقافية ليست للتسوق، والسفر لأجل العلاج ليس للاكتشاف، ورحلة العائلة لا ينبغي أن تدمجها برحلة الأصدقاء إن كانوا في ذات البلد.

أيضا لا ينبغي أن تكون قلقا وأنت في نزهة، أنت لست مطالبا أن تلتزم بالبرنامج الذي وضعته للرحلة، من الضروري أن يكون البرنامج مرنا، أيضا لا تمتهن المحاسبة فتخرج جوالك كل مرة لتقارن بين الأسعار، سوف تجد بعض الأحيان الوجبة في المطعم البسيط ألذ وأرخص من الوجبة في مطعم حائز على نجمة ميشلان والتي دفعت فيه أنت وصديقك ربع ميزانية الرحلة.

ليس هناك رابط بين العامل المالي والأشياء الجميلة التي حصلت عليها لأنها في النهاية رزق.

الميزانية العالية ليست معيارا لنجاح الرحلة، قد يذهب أصدقاء بميزانية محدودة ويكونوا أكثر سعادة من أناس لديهم ميزانية مفتوحة.

أيضا لا تحكم على شخص أنه سيكون رائعا في السفر فقط لكونك تعرفه في اللقاءات العابرة، فكم من شخص كنت ممتعضا من رفقته، ثم تكتشف أنه من بخلاف تصوراتك البائسة.

وعليك أن تعلم يا عزيزي أنه من الأنانية وحب الذات أن ترغب في صحبة الناس الذين يشبهونك في السفر، ولا يحيدون عن اختياراتك، حتى وإن سلمنا جدلا أنها الأفضل، عبارة “فلان يفهمني” ليست دقيقة أحيانا، في الغالب “فلان يسلك لك”.

قد تقوم بأشياء كثيرة للاستعداد للسفر، وتكون كل مقوماته حاضرة، وتكون قد اخترت صحبتك بشكل جيد، وكذلك خطوط الطيران ذات السمعة الجيدة، وأماكن الإقامة الفخمة، والتوقيت الرائع، لكن من يضمن أن لا ينوض ضرس العقل عندك أو أن تلتهب أذنك الوسطى فجأة، أو تظهر حبة في مؤخرتك فتفسد عليك رحلتك لا شيء مضمون يا عزيزي!

إذن السفر يا صديقي تجربة، وامتداد لفعل الحياة، ليس لك إلا أن تخفض التوقعات، وتؤمن أن السفر رزق.

شارك
طاهر الزهراني
طاهر الزهراني

طاهر الزهراني، كاتب وروائي.

المقالات: 186

اترك ردّاً