اختطاف المعنى: كيف تتحول الثقافة الشعبية إلى مسرح للنخب.

بقلم: علياء العمري.

قرأت منذ فترة مقالًا بعنوان “أكل الآخر” للكاتبة بيل هوكس، وهو مقال أثار في نفسي العديد من الأفكار والتأملات حول العلاقة بين النخب والثقافة الشعبية. دفعني هذا المقال إلى معايدة نفسي بهذه الكلمات في ليلة العيد، كأنها تذكير هام بأن الثقافة ليست مجرد مظاهر تُستهلك، بل هي روح وهوية تستحق الاحترام والحفظ.

منذ سنوات أتابع احتفال فطور المطرية في القاهرة، وأشعر بسعادة غامرة وأنا أشاهد هذا التجمع السنوي الذي يجمع أهالي الحي على مائدة واحدة، حيث يتوحدون، وينضم إليهم العابرون وأبناء السبيل، ليشكلوا معًا لوحة نادرة من التكافل والتآلف. في تلك اللحظات، يبدو الحي وكأنه نبض واحد ينبض بالكرم والدفء.

لكن مع مرور الوقت، بدأت ملامح هذا الاحتفال تتغير، وتحولت الروح الشعبية الأصيلة إلى مشهد مختلف. هذا التحول يعكس ما يمكن تسميته بـ”اختطاف المعنى”، حيث تتحول مناسبات مثل فطور المطرية وبسطات رمضان من تعبير صادق عن بساطة المجتمع وتقاليده، إلى مناسبات نخبوية تخضع لإعادة صياغة بعيدة عن جذورها الأصلية.

في المطرية، كان رمضان دوماً مناسبة تجمع الناس على بساطتهم، حيث يتشارك الجميع الفطور كأنهم عائلة واحدة كبيرة. لكن مع مرور الوقت، بدأ السفراء والوزراء والشخصيات الرفيعة يحلون ضيوفًا على هذا الحدث، فأصبح أشبه بعرض مسرحي كبير، مليء بالتصوير والسلفي والترصد الإعلامي. لو لم تكن هناك كاميرات ولا هواتف ذكية، هل كان هؤلاء سيأتون فعلًا؟ سؤال يفتح الباب للتأمل في دوافع الحضور وأبعاده.

ونموذج آخر من مدينتي جدة، حيث تعد بسطات رمضان دومًا جزءًا من مشهد الحياة اليومية في الأحياء الشعبية وجدة التاريخية، باعتبارها عملًا موسميًا لأبناء الطبقة المتوسطة وما دون، كانت تقدم البسطات الرمضانية الأكلات الشعبية التقليدية التي تشتهر بها المدينة، لكن مع مرور السنوات، لاحظت تغيرًا في طبيعة هذه البسطات. بدأ ظهور بسطات فاخرة يديرها شباب ميسوري الحال، يصنعون من أجواء رمضان عرضًا إعلاميًا متقنًا، يركز أكثر على الشكل والتسويق عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ما حول البسطات إلى منصات للترفيه والتسلية بدلاً من كونها تعبيرًا عن الحياة الشعبية الحقيقية وطلب الرزق.

وهكذا، تحولت البسطات من مجرد أماكن لبيع الطعام الشعبي إلى منصات للترفيه والتسلية، حيث لا يعتمد النجاح فقط على جودة الطعام، بل على عدد المشاهدات والإعجابات التي يجلبها الفيديو أو الصورة والترند.

هذا التحول يعكس اختطاف المعنى ذاته، حيث تتحول رموز الثقافة الشعبية إلى أدوات ترويجية تخدم معاني سطحية ومؤقتة، وتفقد بذلك روحها الأصلية التي كانت تمثلها. فهل ما نراه اليوم في بسطات رمضان بجدة هو احتفاء بالعمل الموسمي الرمضاني، أم مجرد مشهد مسرحي يُعرض على منصات التواصل الاجتماعي؟

ليس الهدف أن نكون قساة، فهناك من الأثرياء من يُقدّر حقًا قيمة التواضع وارتباطه بالأصول، وهذا أمر يُحترم. لكن الحقيقة أن العلاقة بين الاندماج الحقيقي والرغبة في الظهور الإعلامي علاقة معقدة وهشة في آنٍ واحد.

اختطاف المعنى ليس مجرد سرقة لمظاهر الحياة، بل هو استلاب لروحها. عندما تتحول حياة الطبقة المتوسطة وما دونها إلى مسرحية النخب، تضيع القصة الشعبية الأصلية وسط الأضواء والعدسات. لذا، يجب أن نقرأ هذه الظاهرة بعيون نقدية، نميز بين الأصالة والتقليد، ونعيد الاعتبار لتجارب الحياة اليومية التي تشكل جوهر المجتمعات.

وفي الوقت نفسه، علينا أن نحتفظ بحس الفكاهة والمرونة، فالضحك على هذه الظواهر يمكن أن يكون بداية لمقاومة ذكية، لإعادة صياغة المعنى بطرق أكثر صدقًا وحكمة.

شارك
طاهر الزهراني
طاهر الزهراني

طاهر الزهراني، كاتب وروائي.

المقالات: 149