كيف تجعلك كرة القدم أبًا صالحا؟

سبق وذكرت أنني تركت متابعة كرة القدم في آواخر عام 2014م ربما لوفاة الوالد رحمه الله علاقة بذلك، لكن لم أعد أطيق حتى الهزائم الصغيرة، بعد الهزيمة الكبرى.

الأولاد يتابعون كرة القدم الآن، يشجعون الإتحاد، وليس لي علاقة بذلك، وفي المباريات النهائية، يأخذون بيدي كأي إنسان لا يملك حق الخيار لكي أشاهد معهم المباريات التي على النهائي.

أمس كانوا يشجعون أسبانيا، لم أقترح عليهم أن يشجعوه، ولم أقل لهم أنني عندما زرت برشلونة العام الماضي، أن أغلب الشرفات هناك كان يخفق فيها علم فلسطين.

مؤخرا أنظر إلى كرة القدم بمنظور آخر، إنها مساحة للفعل والحالة الإنسانية، إنها تظهر لنا أحيانا كبوصلة للضمير الحي، هناك مواقف إنسانية لا تظهر جلية إلا في هذه اللعبة، لن أتحدث هناك عن نقل ثقافات الشعوب، سوف أتحدث عن ما أتلقاه.

طبعا إذا جمع لاعب الكرة بين الفن والوعي، فإن الرياضة تكتسب قيمة أعلى من كونها رياضة، يتبادر دائما إلى ذهني موقف دروغبا العظيم وكيف ساهم في خلق موقف من أجل أن تتوقف الحرب الأهلية في بلده، كذلك المشاريع الإنسانية الخلاقة التي قام بها من خلال بناء المدارس والمستشفيات، إنه مثال على المخرجات العظيمة عندما يتضافر الفن والوعي.

لاعب الكرة في العالم قد يكون أهم من السياسي، انظر لم يعرف العالم أن هناك سياسية عنصرية في البارغواي اسمها “سيليست أماريلا” إلا من خلال حديثها عن “كليان مبابي” العالم لم يكن يعرف البارغواي وربما يخلط بينه وبين الأرغواي، لكن عرفه الناس من خلال حديث سياسي عنصري عن لاعب كرة قدم!

تأمل في مواقف ساديو ماني في قريته، ولويس إنريكي مع وفاة ابنته، ومواقف غوارديولا مع القضية الفلسطينية، وعلاقة لامين جمال مع جدته وأخيه الصغير، ورنالدو مع صاحبة المطعم التي كانت تطعمه صغيرا، وأمس عندما قدم نيكو ويليامز الميدالية لأمه التي عانت مع أبيه أثناء هجرتهما إلى أسبانيا، وكوكوريلا الذي كشف مؤخرا أن ابنه الذي يعاني من التوحد هو أولى أولوياته الآن، إنه يعطي دروسا في أهمية الأسرة يقول: “في صغري كنت أقول عندما أكبر سوف أكون أبا جيدا، لكن الحقيقية أن ذلك صعب للغاية، فلا أحد يعلمك كيف تصبح أبا أو أما”.

هزائم ميسي ورنالدو تعلمنا، والمواقف الصغيرة خلف الصورة تعلمنا، وهذه في ظني عظمة وجماليات هذه اللعبة الفاتنة، إنها لوحة تعبيرية إنسانية ملهمة، إنها مقياس للشعور الجمعي الصحي أحيانا.

الإنسان لا يتوقف عن إنعاش بصره بالمواقف التي تعزز فيه الخيرية، وتوقظ فيه الضمير الحي، وتأخذ بيده إلى ما يجعله صالحا وسويا.

ربما يرى البعض أنني حملت الأمر أكثر مما يحتمل، ولكن هكذا أصبحت أشاهد كرة القدم مؤخرا. 

شارك
طاهر الزهراني
طاهر الزهراني

طاهر الزهراني، كاتب وروائي.

المقالات: 178

تعليق واحد

اترك ردّاً