عند استعراض عناوين الروايات التي قرأناها، في الغالب نتوقف كثيرا عند رواية “الساعة الخامسة والعشرون” للشاعر والروائي الروماني قسطنطين جيورجيو، هذه الرواية المفجعة في أحداثها وتفاصيلها.
ولد قسطنطين لعائلة أوقفوا حياتهم للكنيسة، سواء من جهة والده أو والدته، والداه وأجداده كلهم رهبان، طفولته كانت بين الفلاحة وطقوس الكنيسة، يقول كانت حياتي سعيدة مضبوطة على إيقاعات الطقوس الكنسية!
استمر طفلا حتى تخرج من المتوسطة والتحق بالثانوية العسكرية، ثم اختار الأدب والفلسفة في الجامعة، ثم تزوج بعد ذلك وهو في العشرين، ومع بداية الحرب العالمية الثانية، وبما أن رومانية كانت حليفة ألمانيا، فقد فر وتنقل بين بلدان أوربا بعد سقوط رومانيا على يد السوفيت، ثم اعتقل بعد ذلك هو وزوجته وتنقلوا بين المعسكرات، ولم يلتقوا إلا بعد سنتين!
ذهبوا إلى ألمانيا حيث درس اللاهوت، والديانات منها الإسلام، وفي ألمانيا قرأ جيدا الكتّاب الأمريكيين الكبار، أمثال همنغواي، وشتاينبيك، وفوكنر، وبعدها شرع في كتابة روايته البديعة “الساعة الخامسة والعشرون” في ظرف من أسوأ الظروف التي مرت عليه هو وزوجته، حتى كاد أن يفقد بصره بسبب سوء التغذية، مما دفعهما للتفكير هو وزوجته في الانتحار.
يقول: لم يكن ثمة ما نأسف على تركه، كنا نفكر فقط في الطعام، بدون الخبز والبطاطس والدهن لم يكن للحياة معنى!
عندها قلت لزوجتي: غدا في وضح النهار سنرمي بأنفسنا من النافذة!
ثم بعد علما أن لجنة تطلب رجالا لقطع الأشجار في كندا، فتقدما لها فقبلت الزوجة، ولم يقبله هو بدعوى أنه مثقف!
تنقلا في بلدان شمال أوروبا ثم استقرا في باريس بعد أن وصلاها سيرا على الأقدام ودخلاها بطريقة غير شرعية عام 1948، وبعد عام نشر روايته “الساعة الخامسة والعشرون” وسببت ضجة هائلة وترجمت إلى أغلب اللغات، وبيع منها أكثر من مليون نسخة. وأشاد بها كل ناقد العالم!
وشارك في لقاء في جامعة السوربون امتلأ عن آخره، للحديث عن الرواية مع كبار النقاد والفلاسفة.
لم يدم ذلك طويلا فهذا النجاح الهائل لا بد أن يحرك الأعداء، فقد رفعت عليه قضايا من قبل المترجمة، والتي بعد ذلك حرضت عليه بدعوى معاداة السامية وجيشت عليه الرأي العام، وتراجع الكثير عن الإشادة به، ودفع بعضهم للكتابة ضده، بل وحتى رسائل البريد التي كانت تعرب عن حبها له أنقلب بعد ذلك إلى رسائل كراهية، ثم ترك باريس لينتقل إلى الأرجنتين، وهناك سقط في الاكتئاب والسكر، ليعود بعد ذلك للكتابة في تفاصيل يذكرها تيري جيليبوف في كتابه: “قسطنطين جيورجيو… الكاتب المفترى عليه”
يعود بعد ذلك إلى باريس، ويستمر في الكتابة، وفي عام 1963 بعد أن نشر كتابه حياة محمد -عليه الصلاة والسلام- عين كاهنا للكنيسة الأرثوذكسية الرومانية بباريس، فيعود لحلم الطفولة الذي لم يتحقق.
يستمر في الكتابة بعد ذلك إلى أن يصاب بفقر الدم عام 1991م ويموت بعد عام ويدفن في مقبرة باسي وقد نقشت على شاهد قبره “فيرجيل جيورجيو راهب وشاعر روماني 1916-1992”
