المدن كيانات مستفزة، في المدينة أنت في محاولة لا تتوقف عن ضبط أعصابك وردود أفعالك، في الطريق وفي السوق وفي الأماكن العامة، أنت مستفز وتحاول ضبط أعصابك، في الديرة الأمر مختلف، أنت هناك تفغر في الموجودات، لقد أخذت معي اللاب توب والكيندل، ورواية زقاق المدق لنجيب محفوظ، من أجل مقارعة الوقت الطويل هناك، لكني لم أفتح هذه الأجهزة، لم أقرأ صفحة واحدة.
لقد مكثت أطارد الزواحف في البيت، وكد بيوت النمل الأبيض، ومشغول بتوفير الماء في يومي الأول، وأفكر في براد الشاهي، وهل سنتناول الوجبة القادمة أم لا، رغم أن أقاربي وفروا اللحم قبل مغادرتهم المكان، لكن مكثنا طوال الأيام التي مضيناها هناك بتتبع الأصوات، حس الصياد ينهض هناك، الانصات، طريقة السير، والصعود، كل صفات الصياد نحاول استعادتها.
في الديرة يتنامى الخيال، فذاك يرغب في صيانة السقايف في الجبل، والآخر يفكر في زراعة محصول جديد في البلاد، وآخر يرغب في البحث عن موارد للمياه، وآخر يفكر في النبيذ كطريقة لحفظ الموارد!
لقد وصل الحال بنا في القرى أن نتباهى بالأسلحة والذخائر الجديدة، خاصة بعد أن أصبحت متاحة عبر المنصات، كل ما عليك هو أن تنقر بأطراف أصابعك على الشاشة المسطحة المضيئة، وتصلك أسلحة ذات عيارات مختلفة، تنقر الشاشة، وتحصل على تصريح تنقل من منطقة إلى أخرى، ما هذا الترف يا سادة!
القرى تعزلك عن العالم والأذى، فأنت لا تدري ماذا يحدث في المنطقة من حرب، لا تصلك بذاءات ترامب، ولا شماتة العرب، أنت في منأى عن كل ذلك، أنت في حالة من الاستهجان لكل ذلك، تنظر لكل ما يفعله الناس أن سببه الإحباط التي يعيشه الكائن العربي.
الذي يشمت بالآخرين وبدول الجوار حال المصاب، ولا يفكر في الخسارة الإنسانية التي سوف يجنيها جراء ذلك، ربما لا يعلم أن فعله ذلك هو نتيجة العلل الداخلية لديه، هناك ضجر وسخط وعدم رضا يكتنف بعض الخلق ويظهر ذلك أثناء القلاقل، مثل منخل الدقيق يظهر الشوائب والحشرات عند الارتجاجات الأولى، وهذا نراه حتى على مستوى الجماعات الصغيرة، والأسرة الواحدة، تجد أحدهم يشمت بقريبه في حال المصاب، لأنه فقط حصل على فرص أفضل منه في الحياة، حصل على تعليم جيد، ووظيفة جيدة، وزوجة جميلة، وقد قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم أيُّ الناس أفضل، قال: كل مخموم القلب صدوق اللسان، قالوا: صدوقُ اللسان نعرفه فما مخموم القلب قال: هو التقي النقي لا إثم فيه ولا بغي ولا غل ولا حسد. إنه امتحان صعب!
لقد قضيت أىام العيد في الديرة، وقبلها كانت أيام رمضان عامرة، وقرأت فيها العديد من الكتب، وكتبت العديد من التدوينات، والفصول، لقد كان رمضان موسما عظيما للتحصيل وهذا ما يمتاز به رمضان عن بقية الشهور، لذا نشعر بذلك الحزن الذي يأتي بعده إنه يشبه حزن آدم بعد الفقد الكبير.
لهذا هناك نعمة عظيمة تمنحها لنا القرى، منها تبديد تلك الوحشة التي تنقض علينا بعد المسرات، تلك الوحشة التي لن تزول تماما، وسيبقى لها نداءات صغيرة سببها الاشتياق للمكان الأول.
