سافرت كثيرا بعد الأربعين، وهي نعمة كبيرة أن تيسر لي ذلك بعد هذا السن، ليس لأني أصبحت حكيما، أو أني أكثر اتزانا، لا الأمر بدا لي كما لو أن هذا التوقيت هو الأنسب لي، لأخوض بعض التجارب بنفسي، حتى وإن مارست بعض الحماقات فإنني أصل لشعور أن الفكرة كان لها ظلال أكبر من حجمها، وأن وهم الحرمان قد منحها أكثر مما تستحق، حتى على مستوى الانبهار، سواء في الفن والمعمار، والطبيعة، هناك شيء يقلل من ذلك، ويكبر في مقابل ذلك الشيء، ليقول أن هناك خزائن أكبر وأعظم وأجل، وأن المادة مجرد متاع، وأن حبنا لله هو أعظم ما ينبغي أن يكبر فينا.
..
تأملت فوجدت أن أكثر ما يذهب المال المشاعر الدنيئة، الطمع, والحسد، والحرص، والخوف، والأنانية، وسوء الظن، ووجدت أن أعظم ما يجلبه هو التوكل، والاستغناء عن الناس، والبذل، والكرم، والنوايا الطيبة، وتفريج كرب الخلق، وإدخال السرور على من تحب، وفي الحديث القدسي قال الله: “أَنفق يا ابن أدم أُنفق عليك” لقد نظرت فوجدت أن الناس حتى المتدين منهم قد يتجاوز امتحانات كبرى في الحياة لكنه يسقط في امتحان المال، والله الذي خلقنا قد أخبرنا أننا نحب “المال حبا جما” لقد حدثت نفسي كثيرا أنني لم أمتحن فيه، لذا لا ينبغي أن أقدم نفسي كإنسان صالح قد نجى من الامتحان، لقد منحني الله الكثير والحمد لله على نعمه الكبرى، وأعجز عن الشكر كثرا، لكن أتتني تلك الرغبة في خوض الامتحان، وقلت لو منحني الله المال سوف أختبر نفسي في كذا وكذا، سأضع لنفسي سيناريو من أجل اختبار المال، وبالفعل لم يمض فترة حتى أتى هذا الامتحان، هل اجتزت الامتحان أم سقطت، هذا أمر آخر، وهو يعنيني في المقام الأول.
هذا الكلام هو من حديث الخاطر لكني شعرت برغبة في بثه لمن أحب.
