التقيت في هذا الشهر بأجمل الأصدقاء، وأنجزت الكثير من الأعمال، والإنجاز بالنسبة لي هو كل ما يتعلق بالقراءة والكتابة، وأقولها دون مواربة لم أعتبر الوظيفة في يوم من الأيام جزءا من إنجازاتي، هو إنجاز أقوم به وأتقاضى عليه أجرا، لكنه كمنجز يحسب للمؤسسة وليس لي، لأنه لو حسب لك عزيزي، سوف تتعامل مع وظيفتك بشكل تعيس، وأتعس من ذلك عقد الآمال التي تتعلق بقرارات الآخرين تجاهك في الوظيفة، وتنتظرها من أجل إطفاء رغبة ما، كارثة الوظيفة أنك لو حاولت أن تسقط عليها مبادئك سوف تتعب، لأن الأمر ليس بيدك، لقد تأملت في الوظيفة وفي الحرفة، ووجدت أن الحرفة هي محض اختيار، وأنت سلطان نفسك، وعملك، بخلاف الوظيفة التي ترضخ للأهواء، والنزاعات الشخصية التافهة، وتجبرك على التعامل مع الكثير من المعتلين الذين وصلوا إلى مناصبهم بالعلاقات، والاستجداء.
لقد تأملت في حالي وغيري كثير، خاصة أولئك الذين أتوا من القرى، وانتقلوا إلى المدن، واستطاعوا أن يدخلوا أولادهم للمدارس، لقد قاموا بعمل عظيم وهو حمل أطفالهم لأماكن التشميس، وأعظم ما ناله هذا الطفل الذي مكث السنوات الأولى من حياته دون أن يمسح مخاطته أحد أنه نال حظه من التعليم الأولي، وفك الخط، وقد توجه أكثر هؤلاء بعد الانتهاء من المرحلة المتوسطة للعمل، هل تتصور ذلك، طفل بعد أن ينتهي من المتوسطة يذهب للعمل ليساعد والده في العيش، لقد فعل أقاربي ذلك، ربما تميزت عنهم بكوني أكملت المرحلة الثانوية بشكل يشبه الحظ، ثم توظفت على البند بشكل يشبه الحظ أيضا، لكن للحظ حدود طبقية، بسبب دائرتك الاجتماعية التي أنت محصور فيها، فالأمر سوف يختلف لو كنت أميرا أو كان والدك وزيرا، هنا الحظ سوف يكون أكثر تجاوزا.
لقد كنت في حديث مع زوجتي الأيام الماضية، وذكرت لها أنه كان لدي نقمة طبقية في صغري واستمر ذلك معى إلى أن تلاشى مؤخرا، كان هناك سخط لكني استوعبته بعد حين، لأني وجدته يتنافى مع الحكمة الإلهية، والقدر الذي صنعه الله لنا.
لقد قضيت في العمل الحكومي قرابة ثلاثة عقود تحديدا ٢٧ سنة، خلال هذه السنوات لم يقدم لي أي عرض وظيفي من أي جهة -طبعا أستثني عملي الثقافي- ببساطة شديدة لأن في ذلك احتداما طبقيا، فأنت من طبقة بحاجة لتصارع من أجل الترقي إلى طبقة أخرى، والبشرية لن تكف أبدا عن خوض هذا الصراع.
لهذا الموضوع يشبه الحرب، والمشغول بالترقي سوف يقارف كل شيء من أجل ذلك، وهو على أتم الاستعداد ليخسر كل شيء مقابل الصعود، وسوف يكون ميكافيلي نبيه، وسوف يردد أن: الغاية تبرر الوسيلة أكثر من ترداده للنفس.
لكن لو عدنا للدين في مسألة الرزق والسخط، سيعالج الأمر بطريقة مختلفة، وسوف يعزز الجانب الذي هو خير وأبقى، والنظر لمن هو أدنى منا، حال العصبة الأولى، وبعر الشِعب، وعام الحزن، وحجارة الخندق، والأصحاب الثلاثة الذين التقوا في أزقة المدينة في إحدى الليالي، وقبل ذلك حكمة الله، واليقين بأنه قدر لك ما ينسجم مع تكوينك، والشك الذي يساورك أنك سوف تطغى يا ماكر بمجرد أن تشم رائحة المال.
ثم كيف سوف تعمل البشرية لولا الاختلاف ولذلك خلقهم، وجعلهم طبقات، ليتخذ بعضهم بعضا سخريا، ثم لا تنسى في بعض الأحيان أن من كرم الله وفضله عليك أن جعلك من النجاة، ورحمة ربك خير.
كنت سوف أكتب عن الكتابة والخلاص، لكن مسارات الكتابة تتخطفنا أحيانا.
مساؤكم سعيد.
