تداول العديد من المهتمين بالكتابة أمس مقال مازن العتيبي حول تأثير الذكاء الاصطناعي على الكتابة، والذي ختمه بكلام حزين.
لقد كتبت عن هذا الأمر كثيرا في المدونة، وسبق وكتبت تدوينة بعنوان “الأدب في خطر” عن هذا الموضوع، وتحدثت عنه في بعض المحاضرات الأخيرة التي شاركت فيها، آخرها ما ذكرته في مهرجان الدرعية للرواية قبل شهور، وهذا الكلام يعاد كثيرا لأن الصراخ بقدر الألم كما يقال.
الحقيقة المرّة ياسادة أن أغلب أشكال الكتابة الإبداعية اليوم قد فتك بها الذكاء الاصطناعي، ولم يتبق إلا هامش صغير جدا يتعلق بأشكال قليلة جدا كالسيرة الذاتية، والتخييل الذاتي، والتجارب الإنسانية، اليوميات، التدوين، وهي أشياء لها علاقة بالتجربة الشخصية، الذكاء الاصطناعي لا يستطيع أن يكتب تجربتك الخاصة، أما الكتابات الإبداعية الأخرى فقد قضى عليها الذكاء الاصطناعي، خاصة الرواية، التاريخية منها، والفانتازية، وروايات الخيال العلمي -ربما يستثنى من ذلك رواية التخييل الذاتي والرواية السيرية- أضف إلى ذلك كتابة السيناريو، والنص المسرحي وغير ذلك.
فتك أيضا بأشياء متعلقة بالكتابة كالمحاولة، في السابق كان الجميع يقول لأي كاتب مبتدئ حاول، كرر المحاولة، كلنا نحاول يا صديقي، الوباء الجديد قضى على هذا النوع من الأمل الجميل، الآن لا مجال للمحاولة -آسف على هذه النبرة التشاؤمية- الآن إما كتابة حقيقية أو كتابة مزيفة، لا مجال للمحاولة يا عزيزي، لا مجال لأنصاف الموهوبين، الذين كانت لديهم فرصة في السابق أن يشتغلوا على أنفسهم فلعل وعسى.
لقد بدأت الكتابة قبل أكثر من عشرين سنة وأتذكر عندما كنت عضوا في منتدى جسد الثقافة كنت لا أجيد الإملاء، أشياء لها علاقة بالهمزات، والتاء المفتوحة والمربوطة، وغير ذلك، وكانت الأستاذة ابتسام المقرن تصحح لي في التعليقات بعض الأخطاء بكثير من الصبر والابتسامات.
لقد قضيت أكثر من عقدين من الزمن حتى أكتب شيئا يقرأ، لقد كنت محظوظا بأن كانت لي فرصة للمحاولة كل ذلك الوقت، لقد كان لدي قراء وزملاء على جانبي المضمار يشجعوني لأستمر في المحاولة.
هل الأمر محزن الآن، نعم محزن!
ما الحل إذن؟
لا بد أن تكون محاربا عظيما يا عزيزي حتى تشق طريق الكتابة الآن، وثق تماما بأن ناموس العدالة حاضر، ولكل مجتهد نصيب، لكن من الضروري أن تعي جيدا أن القارئ لم يعد قريبا، لقد أصبح في منطقة نائية، لم يعد يثق بأحد، لقد رأى ما أحدثته الآلة من أثر، لم يعد يلتفت للأعمال الجديدة، و لا للأسماء الجديدة، لا بد أن توطن نفسك على مشقة الطريق!
لكن إن كنت ترغب في الأشياء الأخرى خارج الكتابة فستجد، حفلات التدشين والتوقيع، والحشود، وباقات الزهور في معارض الكتب، واللايكات التي جرتك لكتابة ربع مليون تغريدة، وفوق ذلك قد تعقد الورش لتعليم الناس الكتابة، وأنت لم تسقط أسنانك اللبنية في طريق القراءة، إن أردت أن تحصل على هذا فالأمر في منتهى البساطة، كل ما عليك هو أن تقوم بهذه المسرحية وتضحك على نفسك قبل الناس.
أنا الآن أكتب رواية، قبل سنوات لم أكن لأتحدث عن هذا الأمر وأصرح به، ببساطة الأمر الآن أصبح مختلفا، لن يتفاجأ أحد بهذا الخبر البارد في ظل وجود هذه الآلة التي أصبحت تكتب بضغطة زر، وتكتب بنفس أسلوبك لو منحتها الفصل الأول وعرفت لغتك وأسلوبك وفكرتك، أكتب الآن رواية في أجواء مختلفة تماما عن آخر مرة كتبت فيها رواية، أكتب الآن دون أمل في وجود قارئ ينتظر، أنا في الحقيقة أكتب لمتعة ذاتية سنرى فيما بعد ستكشف عن ماذا، ربما أختلف عن مازن أني كتبت بما فيه الكفاية، لقد كتبت مشروعي خلال السنوات الماضية، وسعيد بهذه التجربة، إنه مشروع حياتي، المشروع الذي يشبهني تماما، بإخفاقاته ونجاحاته، بكل انكساراته ومسراته.
أخيرا؛ الكتابة في خطر نعم، وهذا الخطر من الممكن مقارعته، لكن دون الرغبة في شرف المحاولة.
