الكتابة على أمل

عندما نكتب نفكر في مصير هذه الكتابة، هل ستنجز؟ هل سيرفضها الناشر أم يطبعها؟ هل ستنفد في الأيام الأولى أم تمكث لسنوات في المستودعات يتكدس فوقها الغبار؟ ثم تمكث سنوات في خصومة دائمة مع ناشرك الذي تراه يتجاهل كتابك. أنت تسعى لتفقد كتابك في المكتبات، ونقاط البيع، ومعارض الكتب وتبحث عن أخباره باستمرار في النت، أنت مهموم بحضورك كتابك!

كنت في إحدى المكتبات وكنا مجموعة نسأل الشاب الذي يعمل هناك عن بعض العناوين، كان أمامنا شخص في الستين ربما، يسأل عن كتب شخص معين ويكرر الاسم، في محاولة للفت الانتباه، أخبره الشاب أن الاسم الذي يسأل عنه تم سحب كتبه من الرفوف لعدم الاقبال عليها، بعد أيام وجدت صورة ذلك الرجل في التويتر، ويحمل نفس اسم الكاتب الذي يبحث عن كتبه، لقد كان يسأل هذا الرجل عن كتبه!

في فيلم “عامي مع سالينجر” المقتبس من مذكرات جوانا راكوف، والذي تتحدث فيه عن الوكالة الأدبية التي عملت فيها لمدة عام، ذكرت أن الوكيلة الأدبية فقط كانت تنتظر متى يكتب سالينجر روايته القادمة، المكان متأهب لأي اتصال منه يخبرهم أنه يكتب، إذا اتصل سالينجر يحدث في الوكالة حالة طوارئ، يسعون إلى عدم إزعاجه بالمواعيد والاتصالات، والمحافظة على شكل حياته وعزلته من أذى الصحفيين والمعجبين.

 في الوكالة لديهم عمل آخر وهو قراءة وإتلاف رسائل المعجبين والرد عليهم بجملة صغيرة أن الكاتب لا يستطيع الرد، لأنه مشغول بالكتابة، كما أن الوكالة تستقبل آلاف المسودات التي يتم تحويلها إلى قسم “المزبلة” والتي تقرأ من قبل موظفين كإجراء احتياطي مثل الرسائل، وخاصة إذا علمنا أن هناك العديد من المجرمين تم القبض عليهم ووجدوا أنهم قاموا بتلك الأفعال نتيجة قراءة رواية “الحارس في حقل الشوفان” وبعضهم قد سبق وتواصل مع الوكالة، لهذا من الضروري أن يُقرأ ذلك الكم الهائل من الرسائل والمسودات وقد يحدث أن يقف الموظف في الوكالة على نص بديع فيه قيمة أدبية عالية لشاب واعد لكن ذلك لن يقدم ولن يؤخر في الأمر لأن تلك المسودة سوف يتم إتلافها وبالتالي سوف يتم وأد حلم إنسان كان يتمنى أن يصبح كاتبا يوما ما، المفارقة في النهاية أن سالينجر لم يكتب رواية بعد روايته تلك، وأن التأهب الدائم من قبل الوكالة كان كتأهب روما لجيش هانيبال، في النهاية لم يحدث شيء!    

تأجيج المشاعر في الكتابة ليس في صالحها، تريد أن تكتب شيئا عظيما، ومبهرا، تريد أن تكتب لتكسّر الدنيا كما يقولون، تريد أن يُطبع كتابك أكثر من سبعين طبعة، تريد أن يترجم إلى كل لغات العام، تريد وتريد وتريد، في النهاية هي أشياء خارج الكتابة، هي رغبة عارمة في الكسب النفسي والمادي أيضا.

 لهذا أرى في محاولة لتجنب الخيبات، أن ندرك أن هناك ملايين من البشر يتمنون أن يكونوا كتّابا وروائيين، تستقبل دور النشر الصغيرة التي يديرها بعض الأفراد آلاف المسوّدات ولا ينشر منها إلا أعمال معدودة ربما لا تتجاوز العشرة كتب في السنة.

غير إيماننا بالكتابة، وحب الكلمة، علينا أن نكتب على أمل فقط، أمل أن تجد كلماتنا طريقها إلى القارئ الذي تعني له كلماتنا شيئا!

شارك
طاهر الزهراني
طاهر الزهراني

طاهر الزهراني، كاتب وروائي.

المقالات: 136