شاهدت أمس حديثا لبعض من ترشحوا لجائزة محلية، حيث ذكروا أنهم يبحثون من خلال تلك الجائزة عن الاعتراف الأدبي!
شاهدت اللقاء كاملا، وأنا أفكر في هذه القضية “الاعتراف الأدبي”.
طيب، ماذا لو لم تترشح كتبهم لهذه الجائزة، كيف سيكون شعورهم حينها، كيف هو عدم الشعور بالاعتراف الأدبي!
على كل حال، أنا أرى أن القيمة الكبرى في الكتابة الكتابة ذاتها، الكتابة مجردة من كل شيء، مأزق الاعتراف الأدبي هو ببساطة انزياح النص من المشهد، وجلب الكاتب من أجل أن يتم الاعتراف به!
وهنا لن يتوقف الأمر على جائزة بل سوف تتضخم كرة الوهم هذه ولن تتوقف، فالكاتب يريد جائزة أخرى غير المحلية من أجل الاعتراف على مستوى أكبر، ثم يريد عددا من الاعترافات المتتابعة ليكون حاضرا على الدوام!
لهذا يعاني البعض من حبسة الكاتب، أو يتعثر العمل التالي بعد الجائزة، وبعضهم قد يتوقف، لأنه يريد أن يكون أفضل بعد الاعتراف الأدبي!
عزيزي الكاتب القيمة الكبرى في الكتابة، وليس فيما حققته من إنجازات خارج الكتابة!
ثم ماذا عن تجربتك السابقة التي استمرت أكثر من ثلاثة عقود من الزمن، هل هي بلا قيمة لأنه لم يعترف بك إلا الآن!
الكتابة صيرورة، وتجربة وسياق، فعل الكتابة هو الذي يصقلها، ويجعلها صادقة، ومؤثرة، وهذا أعظم فعل يمارسه الكاتب، وهو أفضل من سراب الاعتراف الذي يبحث عنه البعض، أو قد تكون هناك حقيقة مرة ومؤلمة لا بد من تقبلها أنك كاتب فاشل، وهذا الفشل لن يخفف من مرارته وألمه كل جوائز العالم!
تأمل في الكتّاب الذين تقرأ لهم وتحبهم، هل أنت تحبهم من أجل كتابتهم، أم لأنهم نالوا الاعتراف، سواء بالجوائز، أو التكريمات، أو حجم المبيعات!
وبما أننا نتحدث عن الاعتراف الأدبي، خذوا هذه الحكاية:
كانت روائية هولندية اسمها بولين فان دي بوفين تبحث في مستودع لأغراض عمها الذي توفي قبل سنوات طويلة، وبينما هي تقلب الكراتين، والأغراض الخاصة به، وجدت رواية قديمة عنوانها “في البحر” فجلست على إحدى الصناديق في المستودع، وأخذت تقرأ الرواية التي صدرت عام 1937 ولم تتوقف حتى انتهت منها، لتقرر بعد ذلك أن تقوم بنشرها مجددا عام 2020م، بعد أكثر من ثمانين عاما على صدورها!
من هو كاتب الرواية؟ هو امريكي يدعى هربرت كلايد لويس، أحد الأشخاص الذي ضيق عليهم، وتم مقاطعتهم وتدميرهم اجتماعيا وأدبيا -حينها- وأدرج اسمه في القوائم السوداء في الكونجرس لاتهامه بالتعاطف مع الحزب الشيوعي!
عاش معدما، ومحاربا، ومات فقيرا ووحيدا في نيويورك إثر نوبة قلبية وهو في الأربعين من عمره، ونساه الناس، لكن كتابته انبعثت بعد مرور أكثر من ثمانية عقود من مستودع رجل ميت في هولندا!
الرواية صدرت العام الماضي من دار الكرمة بعنوان: “سقوط جنتلمان” وبترجمة إيناس التركي.
لتقرر لنا هذه الرواية وتكرس أمرا في غاية الأهمية لأي كاتب، أن الكتابة العظيمة هي من تقرر الحضور والبقاء و لا شيء آخر.
