مسوّدات الراحلين

أزعم أن لدي عدد لا بأس به من مخطوطات الأصدقاء الذين رحلوا، سواء رحلوا بالموت، أو السجن أو الغياب المبهم، أو غير ذلك من أشكال الرحيل.

كل تلك الأعمال التي تركها هؤلاء عندي، عدت بها لذويهم بعد أن رحلوا، وأخبرتهم بالأمانة التي تركها هؤلاء عندي، في البداية كان الحزن يبعث حرصا نحو الاهتمام بتلك الأعمال، ثم يختفي باختفاء الحزن.

وبعض أهالي الموتى قد يشعر بالعار من كتابات الراحلين، إنهم يخشون ذلك التعري النبيل الذي تفرضه الكتابة، فالكاتب هو الوحيد الذي يرضى بحالة الكشف، والتي هي في كثير من الأحيان في منتهى الصدق الإنساني والفني، أقارب الراحل ومن بجواره لا يقدّرون ذلك، وربما لا يحترمونه، ولو كان الأمر بيدهم لمنعوه من ذلك في حياته، فكيف الأمر بعد موته.

الكتابة بحاجة إلى شجاعة رغم لحظة الضعف التي تفرضها أحيانا، ذلك الضياع الوجداني الذي يدفع الإنسان للكتابة لن يقدره سوى صاحبه، لهذا عليه أن يسارع في البث قبل الخذلان المستتر.

عزيزي الذي يعوّل كثيرا على أن أقرب الناس إليه سوف يحرصون على نشره إنجيله بعد موت، أريد منك أمرا واحدا قبل أن ترحل -أو دعني أكون قاسيا وأقول-  قبل أن تموت، أيها الراحل عليك أن تتخفف من ذلك الأمل الذي يتشبث بروحك قبل أن تلفظ أنفاسك الأخيرة، الأمل الكاذب الذي يربت على قلبك، ويخبرك أن أحبابك الذين يبكون عليك في تلك اللحظة الحرجة سوف ينشرون كتابك المخلّد من بعدك، أحب أن أخبرك أنهم لن يفعلوا ذلك يا عزيزي، لن يفعلوا ذلك أبدا. 

شارك
طاهر الزهراني
طاهر الزهراني

طاهر الزهراني، كاتب وروائي.

المقالات: 170

اترك ردّاً