الشيء الذي أفعله يوميا دون ملل

هذه التدوينة لا ينبغي أن تنفك عن كونها كتبت في شهر شوال، وربما هي استكمال لما سبق وذكرته في تدوينة أشياء صغيرة من أجل مقاومة الإحباط.

قبل سنوات صدمت من أحد الأصدقاء الكبار في السن عندما صرح لي أنه لم يعد يقرأ منذ سنوات، لم أتوقع في يوم من الأيام أن فعل القراءة قد تخسره في طريق العمر!

الآن لا أقول بأني وصلت لمرحلة خسران القراءة، لكن هناك تشبع هائل، وريبة من كل عمل جديد، لقد رميت للتو بكتاب مترجم، وردت في فصله الأول هذه الجملة: “فلو أنعمت النظر في الأمر فليت شعري” وغير المترجم ستجد أكواما من الكتب لن تخرج منها بشيء، والقادم لا يبشر بالخير.

في السينما أيضا، الأفلام الأخيرة لا أستطيع أن أقارنها بمفضلاتي في التسعينات مثلا، مئات الأفلام يتم دفعها لدور السينما والمنصات تتبخر بمجرد مشاهدتها.

لكن الحل في الكتب والأفلام القديمة.

ماذا عن السفر؟ السفر عندي هو فن الكشف، الكشف عن الذات والناس، والأماكن، له معنى عندما تكون وحدك أو مع صديق، لا بأس مع ملل السفر وحدك، هو أفضل بكثير من الذهاب إلى مكان جميل مع صديق لا يحب الأماكن الجميلة.

لا شك أن السفر من الأشياء القليلة التي تقاوم الملل لكن حتى السفر كما قال أحد الأصدقاء -وهو غير الصديق الأول- له فترة صلاحية، بعدها ستجد أن أي محاولة للترحال أثقل رضوى.

الجميل في السفر هو صنع الذكريات التي تومض كل حين بشكل متجدد ويانع حتى مع مرور العمر، سافر كثيرا قبل انتهاء الصلاحية.

الحل الذي من المفترض أن تروض نفسك عليه، هو إيجاد مكان يستوعب حضورك، ويراعي المسافة التي تحفزك على المسير، غرفة في بيتك، مقهى مجاور، الذهاب للقرية، الجميل في الحياة يا سادة توفر البدائل.

ماذا عن الصداقة؟ لديك صديق واحد أنت محظوظ جدا، تمسك به جيدا، ولا تفرط فيه، ولا تضيق عليه بأن تريده نسخة منك، مفصل حسب رغبتك، صديق ليس قميصا، بل بشر لديه شخصيته، ووجهات نظر مختلفة عنك، الوصول إلى تقاطعاتكم أمر جيد، والارتياح في الحديث دون تحفظ أو مجاملات وكذلك الحضور في وقت الحاجة هو أعظم ما توفره الصداقة لنا.

لا تستهين بالتفاصيل الصغيرة التي تفعلها دون ملل، لقد سألت أمس الأصدقاء عن الشيء الذي يمارسونه كل يوم دون ملل فكانت الإجابات كالتالي:

  • القراءة، الكتابة، التعلم، الترجمة، المشي، مشاهدة الأفلام، التأمل، السوالف، الطبخ، تحضير القهوة والشاي، سقي النباتات، ملاعبة القطط، الموسيقى، الشطرنج، التدخين، محاسبة النفس، الرسم، النظر في المرآة، العناية بالبشرة، الاهتمام بالديناصورات، الجلسة مع صديق، الكثير ذكر أن الشيء الذي يمارسونه كل يوم دون الملل هو الملل نفسه، وأشياء قريبة منه كالقلق، والهروب، أما ماجد الثبيتي فذكر أنه لا يعرف، ولأول مرة ينتبه لذلك قال: “مدري أفضّل هذه الإجابة وأرجو اعتمادها”، أحدهم قال: ذكر الله ثم مسح كلامه، ربما خشي أن يندرج ذلك تحت الرياء أو التسميع، فأراد أن يكون ذلك بينه وبين الله، وهو أمر محمود بلا شك.   

أما عن الشيء الذي أفعله يوميا دون ملل فهو تناول المعصوب. 

     الصورة: ذات صباح مبكر في بودابست.

شارك
طاهر الزهراني
طاهر الزهراني

طاهر الزهراني، كاتب وروائي.

المقالات: 152