هناك أشياء كثيرة أريد أن أتحدث عنها لكنها مبعثرة، لكن لنبدأ بالقراءة، انتهيت من كتاب “حياتي مع الجوع والحب والحرب” وتفاجأت أن السيرة توقفت عند ذهاب عزيز للمعهد الصحي بعد سنوات الدراسة الأولى، كنت بحاجة لحياته بعد ذلك، لكن الكاتب توقف عند هذه النقطة، لا أدري ما حيثيات الكتابة، لكني سبق وسمعت لقاء مع ابنه ضياء في بودكاست مربع يذكر أن أحداثا أخرى وقعت لوالده تعرفها شقيقته أكثر منه، وكأن فيها صدام مع السلطة، هذا ما استشفيته من الحوار، لكن يبقى موطن القوة في هذا الكتاب أنها شهادة شخص عاش “سفر برلك” وشهد الأحداث بعينيه.
طبعا انتهيت من كتاب “ندوب” للمفكر وعالم الأنثروبولوجيا – يا سلام كيف بس حلوة الكلمة لها رنين خاص حتى أنا ما صدقت انها جت معايه- دافيد لوبورتون، كتاب بديع وسبق أن عرّجت عليه، وهذا الكتاب له امتداد آخر وهو كتاب “علامات الهوية” لنفس الكاتب يتحدث فيه عن ثقافة الوشم.
قرأت مقالا في إحدى الصحف حيث يذكر فيه صاحبه: أن أعلى درجات الحرية في الوجود هي القراءة، وعلى الكاتب إذا أراد الحرية أن “يدنق” على الكتاب، الذي يطور معرفتنا، وعليه أن يبقى “مدنقا” لأنه لو رفع رأسه سيقطع مثل رأس طرفة بن العبد، ثم أخذ الكاتب يحذرنا من الكتابة في المنصات، ويكرس “لسانك حصانك” لذا علينا أن نلجأ للتدنيق في الكتب كملجأ آمن حتى نحتفظ برؤوسنا، لكن المعضلة الكبرى أمام هذا الفعل هو ورقة التغليف التي وضعها الناشر الجشع الذي يريد أن يفرض علينا أن نشتري كتابا ما دون تقليبه!
لا أدري بصراحة ماذا أقول، نحن لا نريد أن نخوض في مفهوم الثقافة وتعريف المثقف لدى فوكو، ولا تنظيرات غرامشي حول المثقف العضوي، ولا ما كرسه إدوارد سعيد في كتاباته حول المثقف والسلطة وخيانة المثقفين لا نريد كل هذا، ولا نريد الادعاء، ولا نريد أن نتصدر لنقول: لا، نحن نريد شيئا واحدا فقط، أن يحترم المثقف العربي عقولنا وشكرا.
أما المشاهدات فقد شاهدت لقاء خالد عبد الرحمن مع المديفر، من أصدق اللقاءات وأكثرها شفافية وتواضعا، خالد يرتبط بذاكرتنا بشكل كبير جدا، في ظني كل جيل الثمانينات لو تسأله عن قصته مع صوت خالد عبد الرحمن، سوف تسمع قصصا مختلفة، أعجبني في اللقاء ثقافة القنص لديه، ورحلاته، وكذلك تجاربه الفنية الأخرى خارج الأغنية، في النهاية خالد جزء من ذاكرتنا الشعبية.
هناك شيء آخر سأعرج عليه سريعا وأعلم أنه قد تكرر مؤخرا، وهو ما يتعلق بالعمل الفني والكتابة والنقد، ما أريد قوله أن الفن لا يتطور أبدا إلا بالنقد، لا يتطور بالمصادرة ولا بالتوجيه ولا بالتطبيل، الفن صنو نقده، وعلى الفنان إذا أراد أن تصقل تجربته أن يصغي للنقد، وإذا كان يتحسس فلا يتصدر، فالطريق ليس محفوفا بالورود وقرع الطبول، لأن هذا الطريق في الغالب ينتهي مسدودا أو يسوقك إلى جرف سحيق.
وبس والله.
