الكتابة عن الآباء

انتهيت من قراءة كتاب “عام المتاحف الصغيرة” لأسماء عزايزة وقبل ذلك قرأت ما كتبته نوارة نجم عن أبيها، وقبلها ما كتبه إكتور أباد عن أبيه.

الكتابة عن الآباء هي محاولة بشكل أو بآخر لتبديد التفاصيل التي تتعلق برحيل هؤلاء عن حياتنا، مثل مسح الألوان التي تكون على لوحة طازجة حديثة الألوان، المسحة الحزينة تزيل حدة التفاصيل، وتبقي الظلال الخافتة، فتكون مهمة الكتابة مع ذكريات الأب مجرد إزاحة للألم، تزيحها وتدمجها حتى تكون بلا ملامح واضحة، فتخفت المشاعر، وتقل النوبات، ونحاول تقبل الرحيل.

تتنوع الدوافع حول الكتابة فأسماء تحاول أن تخلّد والدها بالكتابة، ونوارة تحاول أن تقلب والدها أمامنا لنتعرف عليه بشكل أكبر، ويكتب إكتور أباد “النسيان” لكي ينتقم بالكتابة” ويكتب بول أوستر عن الأب الذي ليس على وافق معه، لأنه هناك شيء ينادي في الداخل ويصر على الكتابة.

الكتابة عن الأباء مرهقة لأن الآباء فوق الكتابة، ومحاولة الكتابة لا تعدو كونها رغبة في نكش الألم واللجوء إلى زاوية، أشياء تشبه عبث الأطفال بلعبة ما.

الكتابة عن الآباء لا يكتنفها تاريخ الأب وشموخه، بل الأمر هو رغبة في التعبير عن مقدار حضوره الذي كان، والهلع الذي وجد بعد رحيله، هي محاولة لتحضير هذا الأمر، لذا لا يهم كثيرا سيرة الأب ومنجزاته بقدر أهمية معالجة الحالة الإنسانية التي يسعى لها الكاتب من الخلال الكتابة.

تقول أسماء في “عام المتحف الصغيرة”: الرثاء هو تحرر فني من الحزن. يتحرر من مساحة الكرب الشخصي نحو التعاطف والأمل الجمعي والتشاركي”.

جميلة كتب الرثاء، لكن الحزن المكتوب تخدشه المعلومات، والمعرفة، التي تظهر في بعض المواطن وتخرجه من سياق الحالة إلى سياق تقديم المعلومة، وربما صدح الكاتب بموقف ورأي خارج الحالة لا ينسجم مع مشهد الحزن النبيل.

الكتابة عن الأباء كتابة جليلة، لذا هي تأتي منجمة، ولا يليق بها إلا أن تأتي بمثلك تلك الطريقة، تصغي للصوت الغائر، وتتنزل كالوحي.

شكرًا ليلى على الدلالة.

شارك
طاهر الزهراني
طاهر الزهراني

طاهر الزهراني، كاتب وروائي.

المقالات: 141