الواقعة الخاصة بمحمد عبدالجواد

وصلتني رسالة من كرستين تذكر فيها أنها ستسعى أن يكون دخولي للفندق مبكرا، وبالفعل وصلتني رسالة منها بذلك، توجهت إلى الزمالك ودفعت باب المكان اكتشفت أنه عبارة عن فيلا بديعة، استقبلتني حديقة جميلة ذات أشجار باسقة، متعددة الجلسات، وجدت في الدور الأرضي ما يشبه معرضا للعطور، أو معملا مصغرا، وكان شذى العطور يملأ المكان.

استقبلني أدهم بحفاوة، أخذت مفتاح الغرفة ووجدت أن اسم الغرفة “يلانق يلانق” وهو مسمى لزهرة آسيوية، دخلت الغرفة فكانت ذات اطلالة ممتدة من الباب إلى غرفة النوم كان منظرا في غاية الجمال والإبداع، تنظر فيه إلى الناس وهم جلوس في الحديقة تحت المظلة أو أمام البار الصغير، وتحت الأشجار.

في الاستديو كل أثاث المكان وضع بفن وتقدير، وغرفة نوم تشعرك بالأمان والنوم، كان واضحا اهتمام أصحاب المكان به، كان شعورا جميلا لن تجده في فنادق الخمسة أنجم صدقا.

لم يطل مكوثي وضعت حقائبي وذهبت حتى ألتقي بمحمد عبد الجواد في مقهى كوفا، سرت وكأني في مدينتي، في المقهى كانت هناك فتاة ترسم على المقعد الخشبي العتيق، الشاب الذي يعمل في المقهى وضع فنجان القهوة وذهب دون أن أشعر به، هناك شعور جميل في المكان، لم أشعر به في أي مكان آخر، في الزمالك تحديدا هناك شعور بالطمأنينة وأنت لوحدك.

الفتاة كانت مستغرقة في الرسم، أخرجت كتابي وقرأت قليلا قبل قدوم محمد، طبعا عرفت محمد العام الماضي عندما قرأت ثلاثيته البديعة وقد سبق أن كتبت عنه هنا.

لم تمر دقائق حتى وصل محمد تعانقنا، ثم امتدت جلسة فنجان القهوة من الظهر إلى العصر تحدثنا فيها عن كل شيء له علاقة بالكتابة، وعن كونها ضرورة، وعن الدوافع، وعن الفقد، وعن الأسلوب، والتحرير والنشر، ،عن أشياء أخرى، المعادي والزمالك، والعطور، والحلوى، والعمل، والزواج، والتصوير، والأصدقاء…

بعد ذلك تجولنا في شوارع الزمالك الهادئة ثم توجهنا لمحل للهدايا والتي هو عبارة عن محل لبيع المنسوجات، قمصان وشالات، وحقائب تحمل الهوية المصرية، وهو مكان يذهب إليه محمد ليمنح الأصدقاء الذين أتوا من بعيد أشياء صغيرة من أجل الصداقة الكبيرة. 

ثم أخذنا تاكسي إلى الغورية في قلب القاهرة القديمة حيث الأزهر وخان الخليلي والحسين، وكائنات الزيني بركات وعوالم نجيب محفوظ. وصلنا هناك عصرا، وشاهدت تفاصيل قريبة من تفاصيل عشتها قبل أربعين سنة في جدة، أشياء لم تعد موجودة الآن، البنايات القديمة، والحوانيت الصغيرة، والمطاعم الشعبية، والملاحم، والمكتبات، وأماكن الدباغة، والناس الذي يسيرون ببركة الله.

توقفنا عند كبابجي أبو هاشم الذي كان يتناول فيه أجداد محمد الكباب، رأيت طابورا ممتدا، فأخبرني محمد أن سبب الطابور مصور يوتيوب شهير وثق المطعم قبل سنة، ولم ينقطع الطابور بعد ذلك، انتظرنا قليلا حتى دخلنا المطعم العتيق، فنزلت أطباق الكباب والأوصال والطرب والكبدة التي ترقد فوق البقدونس الطازج، أكلت بصمت، ومحمد ينظر إلي يريد تعليقا، وقلت هذا الطعام ليس بحاجة لأي تعليق.

لكني سوف أعلق: كان طعاما لذيذا لدرجة الصمت.

ذهبنا بعد ذلك إلى الأزهر وقبل ذلك أخبرت محمد عن حبي لمهنة تجليد الكتب “الكعب” فأخذني إلى عبد الظاهر لتجليد الكتب وهناك شاهدت الكتب وأدوات الكتابة على الجلد، وأشياء كثيرة، ووقفت هناك على نسخة أجنبية من المجلد الثاني لدون كيخوته، نسخة ضخمة جدا، بالرسوم، نسخة تشكك بعدها بمدى التزام الترجمات العربية لذلك الكتاب.

اخترت كتابا، وطلبت منهم رقن اسمي عليه، وطلبت منا السيدة أن نعود بعد صلاة المغرب لأن ولدها لم يكن موجودا، وذهبنا للأزهر الشريف، يا الله..

صلينا المغرب هناك، وأخذنا جولنا في ساحات المسجد، وأخذنا نتأمل في مناراته، ولماذا إحدى المنارات مزدوجة دون غيرها.

يذكرني الأزهر بالمسجد النبوي كثيرا، الزحام، وطلبة العلم من جميع أنحاء العالم، وحضور الأطفال، وجلوس الناس فيه بحب وسكينة وتأمل.

أثناء الخروج كانت هناك لوحة رخامية تفيد أن أعمال الترميم الأخيرة كانت بدعم ورعاية من المملكة العربية السعودية، وهو أمر يدعو للفخر والمحبة.

أخذت كتابي من عند السيدة وانطلقنا عبر شارع محمد عبده إلى مقهى تكية خان خاتون طلبنا الشاي الكشري والشيشة، كان عن يميننا منزل زينب خاتون وعن شمالنا بيت الهراوي الذي أسس فيه نصير شمة بيت العود العربي، وأمامنا مباشر مدرسة بدر الدين العيني وكان قاضي القضاة أيام الدولة المملوكية، جلسنا هناك نتحدث عن كل شيء حتى فقع أذان العشاء من مآذن الأزهر الشريف، ثم ودعت محمد على أمل اللقاء به بعد أيام.

عدت ليلا إلى محل إقامتي Numèro CINQ الزمالك. كان للمكان سحر آخر في الليل، إضاءة رائعة، وهمسات النزلاء تصنع حفيفا في الأشجار، جلست ساعة ثم مضيت لغرفتي نمت مباشرة بهدوء وعمق، وفي ظني نمت مبتسما.

شارك
طاهر الزهراني
طاهر الزهراني

طاهر الزهراني، كاتب وروائي.

المقالات: 140