لماذا أدوّن؟

إلى عرّاب التدوين فؤاد الفرحان، صديقا نبيلا، وجارا حاضرا، ومدونا صادقا.

في عام 2008 كانت أول تجربة لي في التدوين، أنشأت مدونة بسيطة وشرعت في الكتابة فيها، كان ذلك قبل شيوع شبكات التواصل الاجتماعية، وكان التدوين حينها عالم حميمي جميل، يشرع فيه المدون في الكتابة عن تفاصيل يومه، وربما يضع بعض اختياراته سواء في الكتب أو في الأفلام، وقد يدون فيه يوميات المرض والسفر، والتجربة، ولا يخلو من تدوين نوبات المشاعر أيضا، الحب والخوف والأمل وغير ذلك، ومع الوقت أصبح هناك مجتمع يخص المدونين، يزور بعضهم بعضا، ويقرأ بعضهم لبعض، وهناك مدونات تضع قائمة لمن يشبهها في هذا العالم، حتى تكوّن في ذلك الوقت مجتمع رقمي أليف يتابع بعضه بعضا، ويتفقد بعضه بعضا، لكن سطوة الشبكات الاجتماعية أدت إلى انهيار ذلك العالم الجميل، حيث ذهب الخلق تجاه شبكات التواصل فلم تلبث حتى استحالت إلى ساحة كبرى للصراع، والوشاية والتربص، ليقرر البعض الانكفاء حول ذاته، ويستمر البعض في الاحتدام الذي لا ينتهي.

بعد الوباء أصيب العالم بهزة، هناك انكسار واضح في البشر، فأصبح -بعضهم- يفضلون الانزواء، وعدم الاحتكاك وترك الفوضى، والانحياز للتأمل، ومتابعة الجمال، والرغبة في الحديث الطويل، والفضفضة، وكان هذا سببا في الأوبة للتدوين.

العودة:

نشرت آخر أعمالي الروائية عام 2020 ولم أعد للكتابة بشكلها الروتيني المعتاد، لهذا دفعني الأصدقاء -الأصدقاء فؤاد- لعمل مدونة وبالفعل عدت للتدوين في منتصف يونيو عام 2024 وشعرت بأن هذا الشكل من الكتابة ينسجم مع طريقتي في الكتابة التي تقوم على اليومي، التفاصيل، المشاهدات، القراءة، المواقف التي تحصل في الطريق، وفي السفر، وفي المدن المختلفة، في الحل والترحال، والتأمل في لحظات السكون، لقد شعرت أيضا أن الناس بحاجة للحديث عن شيء يلامسهم، ويتحدث عن همومهم، وما يختلج في دواخلهم، شعور الإنسان أن هناك من يشترك معه في الشعور يعني له أنه لا يعيش وحده في هذا العالم، وإنما يجاوره من يشعر بنفس الشعور والاغتراب، لهذا يجد في قراءة هذا الشكل من الكتابة عزاء ومواساة.

في التدوين لا أقوم بالكتابة عن أشياء تخصني فقط وإنما أقوم بالكتابة عن حالة إنسانية تنطلق في الفضاء لتقترب من الناس وتلامسهم، وتربت عليهم، وتدخل على قلوبهم بعض الأنس أحيانا.

التصالح مع الخطأ:

لحظة الكتابة عندي هي لحظة انفعالية، تكتسبها من آنيتها، لهذا من الضروري أن تكتب في ذات اللحظة، وقوع الخطأ أثناء الكتابة، في ظني يكسب الكتابة جمالية ما، تؤكد على القلق والارتباك الذي يحدث أثناء فعل الكتابة، وهذا في ظني قيمة مضافة للنص، خاصة ونحن نعيش تحت سطوة الذكاء الاصطناعي الذي يقاوم الخطأ، ويظهر النصوص بلا أخطاء، لكنها بلا روح، نصوص سليمة تشبه الآلة وتبتعد عن الإنسان، وتخرج نصوصا مربكة لا تجد لها مواطنا داخل القارئ.

إن الخطأ الذي أقف عليه أثناء القراءة الآن لم يعد نفس الخطأ قبل سنوات، الخطأ الآن أكثر صدقا، وأقرب إلى الفعل الإنساني.

لا للبحث:

التدوين يتنافى مع البحث، أي مدون يعرف هذا، هناك فرق بين التدوينة التي كتبت بعد بحث وقراءة، وتدوينة هي ابنة لحظتها، طبعا أنا هنا أتحدث عن التدوين الشخصي، وليس التدوين الذي يرضخ لأسس علمية وبحثية، التدوين الشخصي هو في الغالب خاطرة في البال، انطباع يتركه صديق، أو كتاب أو فيلم، انفعال بسبب موقف ما، حنين، حب، وفاء، شكر، امتنان، احتجاج، التدوين الشخصي هو انعكاس لما يحدث في داخل المدون وقت الكتابة، التدوين هو مرآة الداخل التي تسمح للآخرين بالنظر إليها كلما دفعت تدوينة للنشر.

لا للرقابة:

يعرف كل من كتب في قنوات النشر السابقة سواء في الصحافة أو المجلات أو الكتب أن النص يمر بخط سير يفرضه الرقيب، ليس على مستوى الأفكار، بل حتى على مستوى المفردة، فينشر أحيانا النص بعد تعرضه لمقص الرقيب بشكل لا يرضاه الكاتب، في التدوين أنت حتى ترفض الرقابة على نفسك، لأنك تحب أن ترى ما يدور في داخلك أمامك وأمام الناس، إنك تتعرى أحيانا ولا تفكر في أحكام الناس، لأنك تعول أن الصدق الذي وجد طريقه للقارئ سوف يشفع لك!

تحريض الانتباه:

التدوين يجعلك تنتبه للأشياء من حولك، فكل موقف، وكل تفصيل، وكل شعور، يجعلك تعطيه عناية أكثر، فتتشكل الكلمات، وتحلل المواقف، وتعرف أوجه أخرى، وتمنح اعتذارات، وتعيد النظر في تصوراتك السابقة، فعلى سبيل المثال: أنت في الغالب أسير انطباعك الأول، خاصة تجاه البشر الذين لا تعرفهم، عندما تقرر أن تحارب انطباعك هذا تتكشف المساحات، وتسقط الحوائل، لتكتشف أنك كنت أسير الانطباع الأول، الكتابة تحاول تحطيم الجدران والحوائل، لتنظر في المدى.

المواقف الجميلة والصغيرة والعابرة تتلاشى أحيانا في ثانية، لكن التدوين يجمدها لتكون لوحة إنسانية، وهذا هو دور الفنان أن يكون مساهما في إشاعة الجمال، لقد شعرت بالاعتزاز قبل شهور عندما أمرنا كابتن الطائرة بعدم النزول منها كون أحد الركاب يمر بظرف صحي يحتاج إلى التدخل، لقد أعجبني موقف لرجل مرور شاهد عامل النظافة في إحدى المنعطفات يقوم بتنظيف الشارع، فوقف بسيارته خلف العامل حتى لا تصدمه السيارات، ومواقف كثيرة تحدث في اليوم، أحدهم يقف على قارعة الطريق ليزيل شيئا من الطريق حتى لا يؤذي الناس، لتجد نفسك لا تكتب عن الصورة فقط، بل تقبض على الشعور أيضا.

  الكشف:

التدوين هو كشف الإنسان عن أفكاره، وعن مشاعره، وعن أراءه، إنه يدفع الإنسان الحقيقي للتعري أحيانا، والناس لديها فضول للتطلع لهذه الحالة، وهذا بعض ثمن الكتابة، الذي قد يدفعه الكاتب، فهو بين المطرقة والسندان دائما، الكتابة بحق وصدق وتجرد، أو الكتمان، وبالتالي لجم الكتابة، والكاتب الخائف لا تعول عليه كثيرا، لأن الكتابة ليست إكليلا من الزهور يضعه الكاتب فوق رأسه، وإنما فخ قد يقع فيه الكاتب، ويدفع ثمنه، من أجل قول الحقيقة.

الاتزان:

ترى أشياء لا تعجبك، مواقف قد تخرجك عن طورك، عاطفة جامحة، ظلم، استياء، تقصير ما، شأن سياسي جائر، فتكون مندفعا جدا، فتقرر أن تكتب فإذا بالكتابة تدفعك إلى مكان آخر أكثر هدوءا، وحكمة، فتهدر مشاعرك المتطرفة، وتوقف الهدير الجامح في جمجمتك، وتهذب لغتك، وتبعد الشوائب، وتتجلى الأشياء، وتحسن الكلام، وتلطف العبارة، وتتجلى الكتابة عن أشياء لم تكن تدركها قبل الكتابة، وهي لا شك من فضائل الكتابة.

الآن:

آسف سوف أكون متشائما جدا هنا يا سادة، لأن لعنة الذكاء الاصطناعي ستحل على جميع الفنون كافة، هل سيموت الفن، أم أن هذا مجرد وهم، سنرى، لكن ما أعرفه أن التدوين بشكله الحالي هو فعل مقاومة لهذا الحضور المرعب لهذه الآلة التي بدأت تلتهم كل شيء، فأصبح النص موطن شك، لكن الكتابة عن اليومي، يشعر تجاهه المتلقي ببعض الارتياح، لكن هل ستطاله أيضا اللعنة، لا أدري لكن أعوّل على ذلك العصب الرفيع الذي يمد الكلمات بالحياة، دون أن يقارفها زيت الآلة.

في النهاية سنحاول أن يكون التدوين فعل مقاومة من أجل بعض الحضور الإنساني الحقيقي، ومن أجل كتابة شفافة، ونقية، ونابضة. 

شارك
طاهر الزهراني
طاهر الزهراني

طاهر الزهراني، كاتب وروائي.

المقالات: 139