“البلبل غنا وغرد على ورق الفلة سهران معاكو الليلة للصبح ليس إلا” هكذا يُفتتح أجمل فيلم في تاريخ السينما العربية، حيث مجموعة من المحششين في دكان الشيخ حسني، يغنون ويضحكون حتى يقطع البلغم الذي في الصدور الضحكات الصاخبة “دا انت راقل غريب والله يا رمضان” ثم يذهب الشيخ بعد أن يغلق دكانه إلى الجامع ليصلي الفجر.
أتذكر عندما نزل فيلم الكيت كات للسينما، عرفت ذلك من إعلانات القناة المصرية التي كنا نتصيد بثها عبر الهوائي الصغير فوق بيتنا الشعبي، الهوائي المتجه غربا وينحرف أحيانا ونعدله من أجل جودة البث، كنت وقتها في المرحلة المتوسطة، وانتظرت طويلا حتى وصل إلينا، أتذكر يوم نزل الفيلم فيديو ألوان وهو محل فيديو في حي الشرفية، وكنت حينها أتابع الأفلام الأجنبية بجنون مع قناعة أن السينما العربية متأخرة جدا، لكن أتى فيلم الكيت كات ليقرر أمرا آخر في السينما العربية.
ولفت انتباهي حينها اسم المخرج داود عبدالسيد، الرجل الذي أخرج لنا هذا العمل الفذ، والذي هو مستوحى من رواية الروائي الكبير إبراهيم أصلان “مالك الحزين” الرواية التي قرأتها وعرفت أن السيناريست فنان أيضا وله رؤيته الخاصة المعتبرة، لقد نجح داود عبدالسيد في السيناريو والإخراج والرؤية.
عن ماذا نتحدث عندما نتحدث عن فيلم الكيت كات، عبقرية المخرج أم الأداءات المدهشة في فيلم كل من فيه كان بطلا، الشيخ حسني، الهرم، ويوسف، والجدة، وعم مجاهد، عن الأغاني، عن الموسيقى التصويرية أم سيد مكاوي، عن الصورة السينمائية، عن الفلسفة، عن الشجن، عن الفقد. والموت، عن التفاصيل الآسرة، عن المشاهدات تلو المشاهدات، عن البهجة عندما تسمع صوت الشيخ حسني وهو يفتتح كلامه بـ “بص” وهو لا يبص، بـ “أوعى” وهو لا “يوعى” في كثير من الأحيان!
يذهب الشيخ حسني السينما، ويركب الموتوسيكل، ويكفش الهرم، ويفضح الحارة!
كانت الأحلام أن يكون أزهريا ولكن لم يحدث، فعشق الغناء، وباع البيت واشترى بثمنه الحشيش، ولم يتبق له من حلم الأزهر سوى العباءة، وصلته بالله!
يلومه عم مجاهد ويقرر مقاطعته وعدم الحديث معه، ويذهب له كل صباح من أجل الفول “ياعم مجاهد انت ظالمني ورحمة أبويه انت ظلمني.. بتكلمني عن إيه عن الحشيش هو الذنب الوحيد اللي في حياتي. بعد ما ماتت أم يوسف مكنشي عندي حتى بني آدم أكلمه.. أنا بكلم الناس حوالين القوزة بفضفض بضحك، واغني في أقعده حلوة لغاية ما أموت.. الحكاية مش حكاية البيت… المشكلة مشكلة الناس اللي عايشه ولازم تعيش” ليكتشف بعد ذلك أن العم مجاهد كان ميتا أمام جرة الفول، ثم يحمله على عربة الفول في أعظم مشهد قد تراه سينمائيا!
يوقف الابن والده الضرير فجرا “انت بعت البيت يابه” ويلوم الابن والده الذي باع البيت من أجل الحشيش، ثم يستقبل الصفعة وتطير أحلام يوسف، ثم لم تعد لدى الابن وظيفة سوى إقناع والده بأنه رجل أعمى! “يابه انت راقل أعمى” يرفض الحقيقة ويتقاتل مع الناس “ماحبش حد يستعماني” وعندما يقود الموتوسيكل على غير هدى في الحارة ويدخل في قن الدجاج يصيح “أنا عميت” وهو أعمى من يومه لكنه يبرر الخطأ، ويقود أعمى، ويصر على قيادة الموتوسيكل مرة أخرى ويكاد يغرق في النيل مع يوسف، فيخرجان، ويردد الابن “انت راقل أعمى يابه” ويردد “أنا أعمى دنا بشوف في النور والضلمة كمان”
هذه هي المحلية التي نرغب فيها، هذه هي الرؤية السينمائية التي لا بد أن تشاع، هذا هو الشعور الذي لا بد أن يعزز ونحن نشاهد الفن الأصيل الذي يشبهنا.
رحم الله داود عبد السيد.
