المثقف والطقطقة

عندما صدر كتاب المفكر الأمريكي الكبير هوارد زن “التاريخ الشعبي للولايات المتحدة الأمريكية” قوبل الكتاب بالتجاهل من قبل الإعلام الأمريكي فالكتاب كان صادما من حيث التفاصيل والأحداث التي تظهر الصورة التي لا ترغب أمريكا أرض الحلم أن تكشف عنها. تم تجاهل الكتاب، وطعن فيه البعض كون الكتاب مستند على روايات ضعيفة، وقصص غير مثبتة، مما دعى هوارد زن للجوء لنعوم تشومسكي للحديث عن الكتاب، بعد تجاهل الإعلام له.

طبعا هناك كتاب آخر لهوارد زن بعنوان: “قصص لن ترويها هوليود أبدا” والذي قام بترجمته حمد العيسى ويتطرق زن لقصص هائلة وقعت في تاريخ أمريكا لكن السينما لم تتطرق لها، وكأن هذه القصص تابو لا ينبغي المساس به، حتى أن القوة الناعمة الأبرز في أمريكا لم توظف تلك القصص في أفلامها، ليؤكد ذلك أنه مهما بلغت بعض القوى من ادعاء للمفاهيم الكبرى كالحرية، والعدالة، والمواساة، والتعددية، وقبول الآخر فإنها لا تعدو في النهاية سوى شعارات زائفة، وسيكون المثقف الذي يحاول “بعبصة” ملفاتها ضمن القائمة المغضوب عليها لدى السلطة والإعلام، وسيبقى المثقف “الحقيقي” كائنا مزعجا لأي سلطة مهما كانت قوتها!

طيب وبما أن الإعلام هو يد السلطة الأقوى في مواجهة الأفكار والمواقف غير المرغوب بها من قبل الساسة فإن هذا الإعلام لابد من توجيهه لتكريس ما يريده هؤلاء، لذى صنع التلفاز من خلال المسلسلات والأفلام صورا مشوه للمثقف حيث أظهره كشخص معطوب، مضروب العقلية، غريب الأطوار، تمارس عليه “الطقطقة” من قبل الجميع، لهذا نرى جورج في مسلسل “ساينفيلد” الذي يحب القراءة والكتب يقوم بأفعال حمقاء، ولا يجيد التصرف، وكل أفعاله تنم عن عدم حكمة، وتنافي الواقع، أيضا روس في مسلسل “فريندر” الذي يعمل في متحف وهو اكاديمي أيضا، حيث يتم تجاهله من المجموعة بسبب اهتماماته المعرفية، وسلوكه الغريب الذي يتعارض مع من حوله لأنه ممل، فقط هو شخصية جيدة للتندر!

وهنا تظهر خطورة الفن الذي يملك قدرة هائلة على الاختراق، مهما كان وعي الإنسان، لهذا أصبحت صورة المثقف عند أغلب الناس ذات الصورة النمطية المنتشرة فهو كائن مختلف، غريب الأطوار، موسوس، نفسية، غير مرغوب، يعاني في علاقته، ينتقد كثيرا، واهتماماته مختلفة، هو لا يتحدث عن الموضة، والترند، والتسوق، والاهتمام بالجسد، والنادي، والعضلات، والمكملات الغذائية، وعمليات التجميل، والمشاهير، والرغبة في الفلة الدائمة، إنه ينطلق من مواضيع مضادة في الغالب!

المثقف والذي يحب القراءة هو ببساطة إنسان يهتم بالوعي ولديه رغبة في تنوير حياته ليكون على بصيرة، لهذا تكريس الصورة النمطية عنه من قبل البعض هو دليل جهل كُرس من قبل بعض القوى التي ترغب أن يكون الإنسان مجرد ترس جاهل وصغير في مكينة كبرى، توجهه أينما تريد، دون أن يتفوّه بجملة اعتراضية واحدة، دون أن يقول: لا.   

شارك
طاهر الزهراني
طاهر الزهراني

طاهر الزهراني، كاتب وروائي.

المقالات: 141