الكتابة بدم بارد

قبل قليل قرأت كلاما حادا لأحدهم، ولا شك أنه غاضب جدا، وقد تفلتت منه الكلمات بشكل يدعو للأسف، إن اللحظة الانفعالية ماكرة جدا تأخذ صاحبها إلى الحضيض، لهذا من الضروري مع المشاعر أخذ مسافة، لذا جاء التكنيك في الأثر لمعالجة حالة “الغضب” بضبط الحركة، وذلك لهدر الفعل الحيواني، واستحضار الإنساني، لهذا لا تدع مشاعرك تصنع أفعالك، أنت لست دمية في مسرح!

الانفعال والصوت العالي والإغراق في الحالة الشعورية منفر بالنسبة لي، حتى ما أجده في بعض الكتب المزعجة، لذا لا أحب كتابات عبدالله القصيمي مثلا.

هل تعلم عزيزي أن أعظم الكتابات هي تلك التي كتبت بدم بارد، الواثق لا يصرخ، تأمل في أعظم النصوص التي وقفت عليها، ستجد أن كتابها قد أخدوا مسافة وكتبوا بدم بارد، لقد استفتح كامو الغريب بـ ” اليوم ماتت أمي أو ربما أمس، لست أدري!”، اقرأ أيضا تلك القدرة الساحرة في بعض روايات الحروب التي كتبت بسخرية “الجندي الطيب شفيك” أو “رحلة في أقاصي الليل” وعربيا “السراب” لنجيب محفوظ، كمال بطل الرواية – إن لم تخني الذاكرة- شخص قلق ومأزوم وخائف، لكن محفوظ يكتبه دون انفعال، يعيش الإنسان لحظات الحزن واليأس، لكن الفنان يجيد توظيف الحزن، فمحمود لدرويش لم يقل أنا حزين جدا يا ناس، بل قال: “على هذه الأرض ما يستحق الحياة”.

طيب قد يقول أحدهم: ماذا عن الصدق؟ المشاعر المنفلتة ليس لها علاقة بالصدق، فقط خذ مسافة من الفقد، ومن المرض، ومن الألم، امسح دموعك التي تعكر عليك الرؤية لتكتب المشهد بصفاء، على سيرة الدموع، لقد كانت جملة “عمل مدر للدموع” التي تصف بعض الأعمال الفنية تأتي في سياق سلبي أحيانا، العمل الفني الحقيقي ليس آني، بل شيء يخترق ذاتك، ويسكن ذاكرتك، وتستحضره دائما.

نفس الأمر في الانطباعات حول الأعمال الفنية، قرأت عملا فنيا أعجبك جدا، أو أزعجك جدا، لا تذهب للقودريدز والتويتر وتكتب وأنت تحت سطوة العمل، اكتب اليوم الثاني، حتى ما نكتبه حول الأشخاص -بما أن الشاشات هي ساحة المعركة الآن- شخص انتقدك، أو انتقص من قدرك، لا تكتب وأنت متأجج، ردود الفعل في الغالب تنطلق من الأنا المجروحة لديك، حاول أن تفلسف الأمور في هذه الحالة، وهنا تكمن أهمية الفلسفة أنها تقيك داء الهشاشة، الفلسفة وصنع المبررات تجعل لديك درعا فلا تؤثر فيك سهام الأطفال، لا تصل إليك أصلا، لا تجعلك تتمتم بقولك: “بزر”.

يعجبني مشهد النسر الذي يفرفر حوله طائر صغير مزعج، النسر لا يلتفت إليه، إنه مشغول بتتبع الطرائد في السفوح.

هل شاهدت الزعماء الذي تعرضوا لعمليات اعتداء ولم تصدر منهم ردة فعل صغيرة، لماذا لأنهم “زعماء” الزعيم لا يتبنى ردود الأفعال، والتصرفات التي لا تليق، حتى في أشد المواقف توترا، لذا يصف المتنبي شجاعة سيف الدولة بقوله: “وقفت وما في الموت شك لواقف، كأنك في جفن الردى وهو نائم”.

أعلم أعلم أنه من الصعوبة أن تصبح زعيما سياسيا، لكن من الممكن أن تكون زعيما في الكتابة.

مساؤكم سعيد

شارك
طاهر الزهراني
طاهر الزهراني

طاهر الزهراني، كاتب وروائي.

المقالات: 144