مثالب الوفرة

نعم قرأت دوستويفسكي في مرحلة مبكرة، وقرأته بحب كبير، ودون ملل، لم تكن كتبه متوفرة حينها، فقط كانت في مكتبة جامعة الملك عبدالعزيز، والتي كان أغلبها عبارة عن مكتبات لأعيان جدة تم التبرع بها للجامعة، لذا كنت أجد أغلب الكتب المترجمة هناك، حتى كتاب “البحث عن الزمن الضائع” كان هناك بمجلداته الحمراء الكبيرة.

كنت في المرحلة الثانوية حينها، وقد سبقني بعض الأقارب والأصدقاء في الدخول للجامعة لأني رسبت بضع سنوات في المتوسطة والثانوية، وكانوا يستعيرون الكتب لي من الجامعة، وبعض الأحيان وخاصة بعد تخرجي من الثانوية، كنت أذهب بالباص للجامعة وأدخل المكتبة للقراءة ولا أخرج إلا ليلا، كنت أقرأ هناك، وعندما كنت أخرج كان المنظر مهيبا، كان الظلام مخيما وليس هناك إلا إنارة أعمدة الإضاءة البرتقالية التي تستطيع أن تلامسها بيدك، وكانت هناك كافتيريا عبارة عن بناء حجري سداسي، مثل بار صغير في منتصف الطريق، له واجهات زجاجية كل وجهة تستطيع أن تطل منها على منظر مختلف من الجامعة، أخذني الوصف!

كنت أقرأ الكتاب وأنتهي منه وأسلمه في وقت قياسي لقريبي حتى يجلب لي كتابا آخر، ليس هناك بدائل، المتع محدودة كانت، قراءة، مشاهدة أفلام، وكانت الأفلام قليلة أيضا، أتذكر شاهدت أفلاما مثل: كرامر ضد كرامر، والطيب والقبيح والشرير، وآخرها الرقص مع الذئاب على القناة المصرية أظن يوم الخميس ليلة الجمعة، كان اسم البرنامج فيلم السهرة، وكان يسبقه حديث عن الفيلم، وتحليل له، وأشياء من هذا القبيل ثم يعرض الفيلم، كنا نشاهد مثل هذه الأفلام على أمل أن يكون البث جيدا حتى انتهاء الفيلم، لكن قد تأتي الرياح بما لا نشتهي فيذهب البث لدقائق وقد يعود وقد لا يعود.

نذهب لتبديل الأفلام في فديو الكروان أو اليوسف في حي الجامعة مشيا على الأقدام، ونخرج الريالات التي ادخرناها من مصروف المدرسة، كنا نجوع من أجل أن نطل على العالم من نافذة!

كنا نخلق طرق للترفيه، الكورة، البرجون، والكيرم، ثم جاء الأتاري بعد ذلك، ثم الفيديو، أشياء محدودة جدا، وفي المتوسطة بدأت الذهاب للقهوة من أجل الشيشة، كان الجراك هو المتوفر، وكانت الشيشة العدني تتجاوزنا أحيانا في الطول، كنا أطفالا نريد تزجية الوقت!

كانت للأشياء قيمتها، وكان للكتاب قيمته وحضوره، أتذكر أحد الأصدقاء أخبرني أن صديقا له وعده بكتاب المحاكمة لكافكا، وعندما قابله أخبره أن الكتاب أخذه أحدهم، يخبرني هذا الصديق أنه ذهب للبيت وبكى لأنه لم يحصل على الكتاب، ذكرت هذه القصة مرة للناس عبر تويتر، فأخذوا يضحكون ببساطة لأنهم لم يعشوا هذا الظرف، لم يعتادوا أن يبحثوا عن الكتاب السنوات ذوات العدد، هؤلاء الذين يضحكون هم في الغالب من يمل من قراءة دوستويفسكي بعد عشر صفحات، وهم من يكررون دائما كلمة “طفش” لأنهم ببساطة يعيشون زمن “الوفرة”.

لقد مكثت سنوات طويلة أبحث عن رواية الإخوة كارامازوف ولم أجدها، إلا في مكتبة قديمة لشيخ حضرمي في جاوة، وقرأتها مباشرة في بيته، وقال لي: قرأت هذه الرواية أيام العدوان الثلاثي على مصر، على أنوار الشموع!

الوفرة تحجب جمال الأشياء، وتجعل الإنسان يلهث وراء سراب البحث عن المتعة في أشياء أخرى تلمع في المدى ثم لا يجدها إلا وقد ابتعدت فيذهب العمر وهو يطارد السراب!

الغرق في الوفرة سيجعلك “تنبلا” ولن يجلب لك سوى فقدان الإحساس، وعطب الجمال.

الأمر بحاجة لتأمل، وترشيد لهذا الكم الهائل من الوفرة، في المعرفة، والترفيه، والتقنية، والطعام، والسفر، والخيارات غير المتناهية لأساليب العيش، الأمر في بعض الأحيان بحاجة لتوقف وعودة للوراء خطوة، والنظر للأشياء بعين أخرى، الذكريات، والتفاصيل، القراءات والمشاهدات القديمة، فالجديد لن يشبهك في الغالب، ستظل تطارد الحديث دون أن تروي الظمأ، عد لينابيعك الأولى، اغرف منها، وتأمل في انعكاس الحياة على سطحها، وسترى أشياء أخرى تجلب الرضا والسكينة والجمال.

وبس والله.

الصورة: أول وجبة عشاء من أمي عندما سكنت منزلي الجديد.

شارك
طاهر الزهراني
طاهر الزهراني

طاهر الزهراني، كاتب وروائي.

المقالات: 139