الأمر يصبح أكثر وضوحا، وهدوءا، لم يعد هناك مجالا لارتكاب حماقات أكثر، لمعرفة أناس أكثر، لزيارة بلدان أكثر، الآن يعرف الإنسان ما يناسبه ومالا يناسبه، من يستمر في صداقته ومن يقطعه، الدائرة تضيق، والثقة تنكمش، لذا يحاول الإنسان أن يستثمر مزاجه فيما تبقى من العمر.
أمس ذهبت مع أحد الأصدقاء لنقضي ليلة كاملة في أرجاء جدة، قررنا الذهاب إلى ثلاثة أماكن بحيث نرسم دائرة ونعود لنتناول السحور في نقطة البدء، ما حدث أننا بمجرد أن ذهبنا للمكان الأول، قررنا العودة، ليتناول كل واحد منا سحوره في بيته!
في هذا السن لا بد أن تعرف قدراتك، أنت لست مراهقا يتمتع بطاقة فائضة، فرأس مالك تلك الساعات القليلة بعد أن تنهض من النوم، سوف تنهض مندفعا للعالم، وبعد ساعة ونص ستشعر أن الطاقة قد تبددت.
أنت الآن لا تركض تمشي، لا تتحدث كثيرا تعلّق، لا تتمنى كثيرا، بل تحمد ربك على النعم التي بين يديك.
عزيزي الشاب لا تنثر مشاريعك بين يدي الكهول لن يتحمسوا كثيرا، ترفق بهم، ودعهم يتحدثوا بهدوء وأنصت لهم أكثر، لا تثرثر كثيرا لأن الثرثرة عندهم مظنة القلق والاعتلال النفسي، سوف يرددون بعد أن تذهب: الله يشفيه!
في الخمسين أنت تتأمل حياتك كرواقي شعر أنه بدد حياته في الابتذال إنه يتحدث لنفسه:
“عندما ترى الصوصات تغرق الطعام، والأبراج الملمّعة تزاحم البنايات البسيطة، والجمال تتغير معاييره، والشيب يستحى منه، والأسماء التي ليس لها تاريخ تتصدر، والكلام الآلي يكتسح، والكتب المزورة تعلو، والخواجة يحتفى به، والكاتب الأصيل يهمش فقل على الدنيا السلام”
ربما أشترك معه في الشعور، لكني أرى أن الأمر بحاجة لتصالح وأوبة ما، سكون وهدوء، ولا بأس ببعض الحنين، والكثير من العود الأحمد، لأماكنك القديمة، وكتبك، وأفلامك. في الخمسين أنت إنسان تريد القليل من الموارد، وأن تستكن فقط.
قبل شهور كنا في القهوة فجلس أحدهم يسأل صاحبه -الذي للتو تربّع في المكان- عن أحوال أهله، وبيته، وإخوانه وعمله، وصحته، وحياته، واهتماماته، ومشاريعه، وأسفاره، وسيارته، وجيرانه، وبلاد الشيبة، والحلال، فرد عليه صاحبنا بجملة قصيرة بعد أن تمكّن من المركى: “سكنانا والله”.
كنت أصب الشاهي وداج البراد بين يدي، يا إلهي ما أبلغ هذه الجملة القصيرة، هذه أبلغ من آلاف القصائد، ومئات النصوص النثرية، صاحبنا قصد القهوة ليعمّر ويشرب الشاهي ويضرب الباب، لكن واجه القلق، شخص يريد تقريرا عن الحياة في جلسة استكنان!
نعمة الهدوء والقناعة وعدم التطلع نعمة، لولا العوارض، وتدخل الساسة في حياة البشر وتعكير الصفو العام للحياة، نحن بحاجة لتخفيض الصوت الآن قبل إغلاق التلفزيون، جيلي ربما يتذكر نظام التلفزيونات قديما، الصغار يفتحون زر التشغيل ويديرونه لرفع الصوت، والكبار يديرونه لخفضه، ويذهب اليوم بين رفع وخفض.
وأنت في نهاية العقد الجميل، أنت تحاول خفض الصوت تدريجيا، صوت اللغو، والمعرفة الزائدة، والتحفيز، والوصاية، وصوت المذيع، والمحلل، والسياسي، والمثقف الذي أصبحنا نشاهده أكثر من أمهاتنا، نحن في هذا العقد الرائع بحاجة لتخفيض الصوت خلال ما تبقى من العمر.
*الصورة بعدسة: صالح القرني.
